كيف نتحاور؟ سؤال تبادر إلى ذهني وأنا أقرأ حوارات بين نشطاء نقابيين وحزبيين وحراكيين على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة. فالحوار في كثير من الأحيان لا يرقى إلى المستويات الفكرية والثقافية المفروض أن يرقى اليها عندما يكون بين نخبة سياسية ونقابية وحزبية. للأسف، فإن ما نقرأه من حوار حول قضايا مختلف عليها، أو هناك وجهات نظر متنوعة بشأنها، ما هو إلا شكل من أشكال "القتال" و"العنف"؛ فالاتهامات خطيرة من الأطراف المتحاورة، وتصل إلى التشكيك بوطنية الآخر، والشتائم كثيرة ومتنوعة. وكأن الهدف ليس الحوار على الإطلاق، وإنما تبادل الاتهامات والشتائم.
نحن هنا لا نتحدث عن شباب متحمس، يدافع عن وجهة نظره بالطرق الحماسية المعروفة، وإنما نتحدث عن قيادات حزبية ونقابية ونشطاء في مختلف الحراكات. إذ المفروض أن يرقى الحوار إلى مستويات عالية، كون الحوار هنا ليس غايته الحوار من أجل الحوار، أو الصراخ من أجل الصراخ. هناك غاية من الحوار بين النخب؛ وهذه الغاية هي التوصل إلى نقاط مشتركة، حتى يتسنى الانطلاق منها إلى الأمام.
للأسف، الحوار هذه الأيام ليس حوارا. ولذلك، فإنه يقسم الناس، ويعزز الخلافات بينهم، وبالتالي يمنعهم من العمل المشترك. والغريب أن من هؤلاء الذين يتصارعون عبر ما يطلقون عليه حوارا، لم يعودوا يمارسون النشاط العام معا. فبعضهم، على سبيل المثال، نقابيون مارسوا نشاطات نقابية مهمة معا، واستطاعوا تحقيق الإنجازات على هذا الصعيد، ولكن هم لا يتلقون، ومن الصعب جدا أن يتشاركوا معا في عمل عام بعد الخلافات السياسية التي طرأت مؤخرا. ويبدو أن ما كان يجمعهم سابقا من توافق فكري وسياسي، تراجع نتيجة خلاف على قضية سياسية ما، فانحاز كل طرف لمواقفه. وهذا طبيعي، ولكن غير الطبيعي أن يصل الخلاف بين حلفاء وأصدقاء الأمس إلى نزاع شديد، وفراق ما بعده فراق. وهذه النقطة بالتحديد تعطي تصورا واضحا عن طبيعة نشطائنا السياسيين والنقابيين والحزبيين، كما تُظهر بشكل لا لبس فيه نوعية التحالفات السابقة بين أصدقاء الأمس وفرقاء اليوم. فهذه التحالفات لم تكن على الأغلب صادقة، وإنما هي مصلحية ونفعية آنية، ولاعلاقة لها، كما يظهر، بالتوافقات السياسية والفكرية.
فالحوار الذي يجري بين النشطاء لا يظل في الواقع الافتراضي (مواقع التواصل الاجتماعي)، وإنما يمتد إلى الواقع الحقيقي؛ فتتباعد الأطراف وتتنازع على كل شيء تقريبا. ويبدو أن التحالفات السياسية والنقابية على مفترق طرق هذه الأيام. ويبدو أيضا أن كثيرا من أشكال التعاون والعمل المشترك والتنسيق بين هذه الأطراف لن يعود صالحا، وستنشأ تحالفات جديدة.
من الطبيعي أن تتغير التحالفات وفقا للأهداف السياسية والفكرية. ولكن المهم على هذا الصعيد، أن لا يتحول حلفاء اليوم إلى أعداء؛ فما تزال توجد عوامل مشتركة بينهم، يمكن تعزيزها من خلال الحوار الهادئ والمتزن.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة محمد سويدان جريدة الغد