نتذكر جميعا ان حجم او مساحة حبة الفلافل قديما كان كبيرا، والقرص المعدني او (القالب)، الذي يعتبر معيارا لحبة الفلافل كان كبيرا، وكان هناك (القالب) الاكبر للفلافل المحشي الذي بداخله بعض البصل والسماق والشطة، وعلى وجهه (رشة) سمسم.
ومع تطور الازمات بقي سعر حبة الفلافل، كما هو لكن حجم الحبة اصبح اصغر، وتم صناعة قالب صغير، واليوم اصبحنا نرى الحبة الكبيرة او الفلافل المحشي بحجم الحبة العادية ايام زمان، ومع ارتفاعات الاسعار اصبحت دون سمسم، واصبح سعر حبة الفلافل الكبيرة (5) قروش، واحيانا بسبعة قروش ونصف، اما الصغير فالسعر متفاوت فالعشرة قروش قد تأتي لك بست حبات او ثماني، وكلما ارتفعت الاسعار قل عدد الحبات ومواصفاتها.
هذا الاستعراض التاريخي لحبة الفلافل ووصول حجم الحبة الى ما هو اصغر حجم معقول جعل خيار التاجر رفع السعر لأنه لا يستطيع ايجاد قالب اصغر مما هو موجود. ولعل احد الزملاء كان جادا في تقديم اقتراح للحكومة يجعلها لا ترفع اسعار المشتقات النفطية وذلك باللجوء الى تغيير معيار التنكة، فلتصغر (قالب) البنزين والكاز والسولار، وبدلا من ان ترفع سعر التنكة كل شهر، فقد يكون اقل تأثيرا على المواطن ان يبقى السعر كما هو، وأن يتم الاعلان ان تنكة البنزين تحولت الى (18) لترا او (17) او (19)، بدلا من وضعها الحالي. فسعر التنكة ثابت للبنزين او الكاز لكن حجم التنكة يقل، وبهذا يذهب المواطن ويدفع نفس السعر ويأخذ شيئا اسمه تنكة سواء كان حجمها (19) او (20) لترا.
في بعض مناطق شمال الاردن كانت الاوقية (200) غم، والكيلو (5) اوقيات (بينما في عمان او الزرقاء الاوقية (250 غم)، وكان هذا تأثراً ربما بمعيار الشام او ربما ارث تجاري، اي أن تغيير المعيار امر ممكن وليس لتأثير تجاري او مالي انما امر نفسي. لا نقول هذا من باب نقل سخرية الناس، بل لأن تأثيرات ارتفاع اسعار النفط عالميا اصبحت تفرض نفسها كل يوم على الناس.
فكل شهر اصبح لدينا تسعيرة او (تعديل) على اسعار المحروقات، وهو عمليا رفع للاسعار لأن اسعار النفط في العالم ترتفع ولا تهبط. ولهذا فالناس اصبحوا في كل شهر على موعد مع وجبة جديدة من الارتفاعات، واصبحوا كل حين على موعد مع ارتفاعات لاسعار سلع اساسية لأنها ترتفع عالميا ايضا.
ربما قبل ان تكون تنكة البنزين (18) لترا بدل (20) تم استبدال معايير لأمور مهمة. فالوزير (زمان) كان مقياسه وثقله السياسي ودوره اكبر بكثير من الزمن الحالي، والنائب زمان كذلك ايضا.
كانت المعايير والمواصفات مختلفة عما جاء بعد ذلك. ولو فتحنا باب المعايير لوجدنا ان (القالب) القديم تغير في امور اكبر، واهم بكثير من قوالب السلع والاشياء الاستهلاكية.
القوالب كلها تغيرت، والوزن النوعي اختلف، وحتى اهتمامات الناس تغيرت تحت ضغط الاقتصاد وظروف المعيشة. وبعض المواقع التي كانت تاريخيا ذات تأثير سياسي كبير ودور مهم تحولت الى وظائف واصبح اصحابها احيانا بمواصفات او قوالب لا علاقة لها بالمواقع. وغابت الدهشة الايجابية لمصلحة الدهشة السلبية.
"القالب" تغير وسيتغير، لكن بعض القضايا والمفاهيم والمعايير الكبرى نتمنى ان لا يصلها تغيير القوالب، لأنه اذا وصلت النار الى هذه القضايا الكبرى، فالامر حينها اكبر من كل الخسائر السابقة.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية