كلنا في هذه الامة نمارس التذمر والاحباط او الرفض للسياسات الاميركية, فأصدقاؤها محبطون من عدم قيامها بتنفيذ وعودها او على الأقل ممارسة نوع من الضغوطات الحقيقية على اسرائيل, وخصوم واعداء اميركا يرفضون سياساتها ويضعونها في خانة العدو الاول، وانها السبب بكل ما تعانيه الامة من مصائب.
وكلا الموقفين صحيح وسليم، لكن المشكلة ليست في التشخيص لمشكلاتنا لان السياسة الاميركية واضحة وتجعل القدرة على التشخيص سهلة وقريبة.
المشكلة ان غضبنا جميعا غير مكلف لاميركا، ولا حتى لاسرائيل. فالدول، وبخاصة الكبرى، لا تتوقف عند الغضب الشكلي، بل عندما يهدد مصالحها وحضورها، وهنا اتحدث عن المصالح الحقيقية التي لا تبدو متأثرة حتى عند من يرفعون اصواتهم ضدها. ونتذكر ان الغضب العربي كان مكلفا لاميركا اثناء حرب رمضان عام 1973 عندما تم ايقاف ضخ النفط العربي للغرب، لكن منذ ان شعرت الولايات المتحدة بأن هذا سلاح مهم عملت منذ ذلك الوقت وحتى اليوم على سلب الامة هذا السلاح والهيمنة على مصادره إما باحتلال او قواعد او شركات او صناعة حروب ونزاعات تستنزف الموارد والاولويات, وها نحن اليوم نسأل انفسنا: هل يمكن للامة ان تغضب غضبا مكلفا باستخدام سلاح النفط؟!
لن نذهب في الخيال بعيدا، لكنه غضب ليس مكلفا حتى سياسيا. فايران، مثلا، منذ ان جاء نظامها الحالي يعلن عداء للشيطان الأكبر, وعندما جاء هذا الشيطان عام 1990 وشن عدوانا ضد العراق سكتت الثورة، وهو امر متوقع، لكنّ دولا اخرى تصنف نفسها اليوم بدول الممانعة، كانت جيوشها الى جانب جيوش اميركا في حربها على العراق، وفي عام 2003 عندما جاء الاحتلال الاميركي كانت ايران هي السند الحقيقي للاحتلال وبأكثر من شكل، فأيهما يغضب اميركا مساندتها في حرب ام شد وجذب حول ملف يقال انه نووي.
واصدقاء اميركا من العرب يظهرون الان غضبا من تباطئها في تحقيق السلام، لكن الغضب غير مكلف لاميركا سواء من الدول الصغيرة او الكبيرة التي بيدها ادوات حتى لاظهار الغضب. والكل يتذمر ويشكو لكن اميركا لا تتوقف عند هذا التذمر لانها تعلم انه حالة عاطفية وليس فعلا سياسيا او غير سياسي.
الاشقاء في فلسطين؛ يظهر انصار التسوية احباطا من السياسات الامريكية, ويرفض رافضو التسوية سياسات واشنطن ويرون فيها انحيازا للاحتلال. وكل هذا صحيح، لكن موقف كلا الطرفين بدلا من ان يكون فعلا تجاه المحتل او السياسات الاميركية تحول الى بأس بينهم شديد فكان الاقتتال والتقسيم السياسي والجغرافي، واستغله الاحتلال وفرض حصارا ظالما وعمّق سياساته العدوانية، فكان غضب الشقيق على الشقيق مكلفا لكن ليس باتجاه اميركا واسرائيل لكن على الذات.
وفي العراق الشقيق جاءت دبابات الاحتلال الاميركي، وعلى ظهرها قوى وشخصيات عراقية من كل الطوائف والاطياف السياسية، فرحوا بالاحتلال واعطوه شرعية مقنعين انفسهم ان عداءهم للنظام السابق يعطيهم الحق في احضار المحتل وعدوانه. ومضت السنوات فغضب بعضهم من اميركا، غضب لأن بوصلة المصالح الايرانية اقتضت الانتقال من التحالف مع اميركا الى مناكفتها والتنازع على النفوذ الاقليمي معها، وغضب آخرون لانهم اكتشفوا ان اميركا غيرت قائمة اصدقائها او مستخدميها في العراق، لكن كل هذا الغضب ليس مكلفا لاميركا، بل كان احيانا فتنة طائفية واخرى تفجيرات في الشوارع والمطاعم.
الاحتلال بدّل في كل مرحلة مسانديه، فمن كان مقاوما بالامس حَمَل السلاح باسم الصحوة، ومن كان صديقا لاميركا من ميليشيات طهران اصبح هدفا لقوات الاحتلال. فالامر بالنسبة لاميركا مصالح, لكن غضب هذه الاطراف منها لم يكن مكلفا جدا وان كان له ثمن لكنه محدود.
والمضحك ان نستمع الى من يغضب عندما يعلن اوباما مرشح الحزب الديمقراطي ان القدس عاصمة ابدية لاسرائيل, فلماذا لا يقول هذا وهو يتحدث في مقر اللوبي الصهيوني حيث يذهب المرشحون لخطب ود اسرائيل فضلا عن ان هذا يشكل قناعاتهم جميعا.
لنغضب جميعا كما نشاء سواء كنا من اصدقاء او خصوم اميركا، فالغضب غير المكلف لا قيمة له.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة