لعل حوادث السير في الأردن من أكثر القضايا التي تجمع الناس والحكومة على حربها والخوف من آثارها، وإن كانت نسبة منا ماتزال تمارس ما يجعل من نسب حوادث السير التي تركت آثاراً وحكايات مأساوية وبخاصة عندما تكون بحق الأطفال، ولعل حكاية الطفل إبراهيم الذي قتلته إحدى السيارات الطائرة يوم عيد ميلاده تمثل إحدى القصص الحديثة التي ماتزال تبعث الأسى لدى كل من يسمع أو يقرأ عن تفاصيلها المؤلمة، ومازال المشهد قائما في دهس الأطفال الأبرياء..
ولحوادث الدهس أكثر من جانب: الأول يتعلق بالسائق وواجبه في الالتزام بقواعد السير والانتباه وتجنب السرعة القاتلة أو القيادة الاستعراضية أو نسيان البعض أحياناً أنه يقود السيارة في شوارع مزدحمة أو مستعملة من قبل المشاة والناس والأطفال، فالسائق الطائش أو السائق غير المتيقظ بطبيعة الشارع يكون سبباً في حوادث الدهس.
والشارع جزء من أسباب حوادث الدهس والشارع هنا، أما الرصيف الذي يجب أن يكون رصيفاً حقيقياً يعطي للمارة القدرة على المسير عليه بحرية وبشكل قانوني وليس مكاناً لعرض البضائع أو امتداداً للمحل التجاري، والشارع أيضاً هو ممر المشاة، هذه الثقافة والسلوك الذي لا نمارسه، فلا السائق يحترم شيئاً اسمه ممر مشاة، ولا خطوط هذا الممر واضحة أو حتى موجودة في الأماكن المخصصة، ولا نحن المواطنين نتعامل مع فكرة ممرات المشاة بجدية واحترام، وحتى بعض الشوارع التي تفصل الحواجز الحديدية بين أطرافها نجد فيها مناطق تمت استباحتها وتقطيعها لمرور الناس أو القفز أحياناً عنها.
أما الجانب المهم من حوادث الدهس فهو الإنسان، فليست كل حوادث الدهس مسؤولية السائق، فأحياناً نحن المواطنين نتسبب في بعض هذه الحوادث، لأن بعضنا يعتقد أن مجرد دخوله الى الشارع، يعني أنه يملك حق الحركة فيه، ولا يفترض أن هناك حركة سير، وأحياناً يرمي أحدهم نفسه في الشارع ليقطعه وينتظر أن كل السيارات ستعطيه الحق في المرور، وأحياناً نشاهد أشخاصاً يقطعون الشارع وهم يحملون هواتفهم الخلوية يتحدثون بها، وهو مخالفة لا تقل في خطورتها عن سائق يقود سيارته وهو يتحدث في هاتفه، فكيف تقطع شارعاً مزدحماً من دون تركيز بل وأنت منشغل بحوار أو نقاش أو رومانسية عبر الهاتف.
إن المسؤولية المشتركة تقتضي أن نلتزم نحن المشاة بالقانون وأن نمارس قطع الشوارع أو الظهور أمام السيارات، لأن تحميل السائق كل المسؤولية عن كل حوادث الدهس أمر فيه مبالغة أحياناً، وهنا لا أحمل المواطن المسؤولية لكن من الضروري أن نحقق تكامل الشروط والالتزام ما بين السائق والشارع والرصيف والمواطن.
وحوادث الدهس أصبحت أحياناً تتسبب في حوادث اجتماعية مالية فمن يتعرض للدهس يفقد حياته أو يصاب بعاهة في بعض أعضائه، ومن يكن سائقاً يتعرض أيضاً لكوارث مالية لأن تكلفة العلاج باهظة، وشروط الصلح تكون باهظة أيضاً، وأحياناً لدينا البعض حتى وإن كان قليلاً يمارس المبالغة من حيث نوع المستشفى والعلاج ومدة الإقامة وشروط الصلح بشكل يفوق الإصابة والضرر، فالدهس إذا كان السائق سببه له عقاب قانوني وللمصاب حق العلاج لكن من دون أن يعمد البعض الى ممارسة العقاب المالي غير المبرر وكأن المطلوب (مرمطة) هذا الشخص بشكل يفوق ما تتطلبه ضرورات العلاج، فضلاً عن شروط الصلح وطلب مبالغ باهظة ربما تفوق بكثير ما يجب أن يكون.
نحتاج الى توازن في التشريعات والأهم التوازن في سلوكياتنا، فالقانون وحده لا يحل المشكلات، وإذا كان دهس أي مواطن أمرا سلبيا وضررا كبيار يلحق به وبأسرته، فإن من يدهس أيضاً يلحق بنفسه الأذى والعقوبة، لكن ماذا لو كان أداؤنا جميعاً متزناً نحترم القانون ونعطي للسائق حق استخدام الشارع، وللمواطن حق الرصيف، وممر المشاة، ونعطي لكل حادثة حقها من دون مبالغة أو عقوبة أكبر بكثير من الجريمة وبخاصة في القضايا المالية غير المبررة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة