بعض أشكال العافية والقوة للدولة الذهاب دائما نحو التفاصيل في نسيج المجتمع، تلك التفاصيل البسيطة التي تحتل أجزاء هامة في مسيرة الدولة، إما عبر التكريم والتقدير لموقف أو أداء، أو عبر الإنصاف لمن هو مظلوم أو من لم يأخذ كامل حقه، والأهم الشعور الذي يولده الذهاب نحو هذه التفاصيل بالشعور بعدم النسيان أو عدم الإهمال، فالفئات غير النخبوية أو عامة الناس تعتقد دائما أن الامتيازات والتكريم والدلال هو للكبار، فصوتهم مسموع ومطالبهم مستجابة وحقوقهم تصل وفوقها الكثير.
ولعل ما تحتاجه الدولة أن تكون لها أدوات تبحث عن التفاصيل التي تحتاج الى إنصاف، أو من حقها التكريم والتقدير، أو من واجب الدولة تجاهها الوفاء، أي لا تترك الأمور للصدفة أو الحدث العابر أو شكوى مفاجئة، فعين الدولة يفترض أن تصل الى كل التفاصيل ليس لغايات الرصد فقط، بل حتى تصل يد صاحب القرار الى تلك الفئات، وصولا ليس على الشكل الخيري والإنساني بل من خلال الوفاء والتكريم والإنصاف، وهذا ما يدعونا الى المطالبة بعيون للدولة هدفها الوصول الى كل التفاصيل في المجتمع واعطاء كل فئة حقها وتحديدا الفئات المنسية أو التي لا صوت لها، أو تلك التي تعتقد أن صاحب القرار بعيد عنها وعن شكواها أو حقها.
لا نتحدث عن استحداث هيئة أو وزارة أو موقع يتنافس عليه أهل الحضور، بل عن قيام المؤسسات الحالية بدورها كاملا، وأن تمم برمجة العقول وأدوات الإدارة باتجاه البحث في التفاصيل لغايات الإنصاف أو التكريم أو الوفاء، فالعلاقة بين الأردنيين والدولة ليست حقوقا مجردة أو واجبات جامدة، بل هناك ما يوازي هذا لكنه ليس مدونا في القوانين والأنظمة.
ظهر الاثنين كنا على موعد مع هذا النوع من الإنصاف والتكريم والوفاء عندما التقى الملك مع بضع عشرات من الأردنيين أصحاب الخدمة السابقة في الحرس الوطني الذي كان أحد تشكيلات القوات المسلحة حتى عام 1965 ومنهم من أكمل مسيرته في الجيش، وآخرون خرجوا ولم يحصلوا على تقاعد أو تأمين صحي، وهؤلاء عددهم حوالي (1300) مواطن من أصحاب الأعمار المتقدمة، قدم لهم الملك تكريما من الدولة بمنح كل واحد من هذه الفئة الكريمة خمسة آلاف دينار نوعا من التكريم والوفاء والتقدير، وثم منحهم أيضا تأمينا صحيا لهم ولعائلاتهم، وشمل هذا التكريم كل هذه الفئة أي الـ(1300) أردني من الجنود السابقين.
العبرة ليست في التفاصيل المالية، على أهميتها لهذه المئات من العائلات الأردنية، لكن الفكرة في الوصول الى هذه التفاصيل من المجتمع. وهؤلاء كانوا يعيشون فرحا كبيرا وحماسا شديدا، تحدث بعضهم أمام الملك وقبل هذا في اللقاء التحضيري مع رئيس هيئة الأركان عن حكاياتهم في مسيرتهم العسكرية، وذكرياتهم في الكرامة وغيرها، واثناء حوارهم مع رئيس الأركان رفعوا أصواتهم بوطنية وصدق معلنين استعدادهم لحمل السلاح في أي وقت دفاعا عن الأردن، كانت روح إيجابية ساهمت فيها حالة التقدير والتكريم والوفاء لجهدهم ودورهم وحقهم في حياة كريمة.
ولعلها فرصة أن أشير الى تلك الروح المفعمة بالتقدير لهؤلاء التي كانت في حديث رئيس الأركان معهم، وتم تسجيل حالة كل منهم ومن كان له حق قانوني سيأخذه. المطلوب أن يتم اعطاء ذات الفرصة لكل هذه الفئة وليس فقط من حضروا اللقاء، فربما يكون لهؤلاء حقوق قانونية توفرها القوانين التي لم يطلعوا عليها او ابتعدوا عنها بعد مغادرتهم الخدمة العسكرية.
عيون الدولة ليست موظفين بل نهج يفترض أن تمارسه الحكومات والإعلام والحكام الإداريون والنواب والاعيان، وما يوازي أهمية هذه العيون وجود الاستجابة التي نلمسها في الملفات الهامة في ديوان الملك.
وما دمنا في سياق الجيش والشهداء فإنني أكرر ملاحظة تحدثت بها منذ سنوات تتعلق بآلية تكريم عائلات الشهداء في يوم الجيش، وجزء من الملاحظة تتعلق بمصطلح (الإكرامية) الذي يتم تداوله في عرف المجتمع بما يمكن أن تمنحه لعامل لديك، لكن أسر الشهداء يتم الوفاء من خلالهم لأفضل البشر وهم الشهداء. لكن هنالك طريق أفضل من مراجعة مراكز الشرطة أو مكاتب أخرى بأن يتم تنظيم لقاء في كل محافظة برعاية المحافظ أو مسؤول كبير في الجيش أو الأمن العام، او استقبال أسر الشهداء في لقاء ودي وتكريمهم، فهذا ما يليق بهذه العائلات الكريمة، وليس مراجعتهم الى مراكز الشرطة وغيرها، وكأنهم يتقاضون معونة أو صدقة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة