التقيت قبل ايام بشاب اردني يقوم بتحضير رسالة الدكتوراه في استراليا حول الفساد وأثره على الاقتصاد الاردني, وتحدثنا مطولا حول هذا الموضوع, لكن هناك حكاية رواها هذا الشاب انس القضاة الذي يعيش في استراليا تتعلق بوزير في الحكومة الاسترالية كان يقود سيارته الخاصة في يوم عطلة, واثناء القيادة تجاوز السرعة القانونية بحوالي (15) كلم, فأوقفه الشرطي وحرر بحقه مخالفة, وعندها لم يعرف الوزير بنفسه وتلقى المخالفة وذهب, لكن الشرطي عرفه فاتصل بإحدى الصحف وأخبرها عن الحادثة، وقدم لها صورة عن المخالفة، فنشرت الصحيفة الخبر على صفحتها الاولى، ومعها صورة المخالفة، فكان قرار الوزير بالاستقالة.
هذه الحكاية الحقيقية دفعت بالوزير الى الاستقالة رغم ان اي مواطن يمكن ان يخالف قانون السير, لكنه استقال لانه قدم نموذجا سلبيا في العلاقة بين المسؤول والقانون, فما دام قد تجرأ على تجاوز القانون في قيادة السيارة فيمكن ان يتجاوز في اي قضية اخرى, وهي ثقافة في صورة المسؤول امام المواطن, وهذه الحكاية ليست فريدة في المجتمع الغربي, وكما قلت فالقضية في مصداقية المسؤول وصورة الموقع في ذهن الناس, وحين نسمع مثل هذه الحكاية نتخيل ان مسؤولا او حتى ابن او زوجة مسؤول يوقفه شرطي السير, فأول ما يفعله هذا انه لا ينزل من السيارة بل يتحدث بفوقية ليقول: "انت عارف مع مين بتحكي?".
ونتذكر مشاهد السيارات الهامة التي نشاهدها على الطرق الخارجية وهي تمر كالسهم فهي لا تخاف لا دوريات خارجية ولا رادارا, فالمخالفة ممنوعة وان تمت فهي مشطوبة ولعل ما يلفت الانتباه ان الوزير كان في سيارته الخاصة اثناء العطلة وهو جزء من احترام المال العام, طبعا نحن في الاردن سمعنا عن تعميمات عابرة للحكومة عن استخدام سيارة الحكومة في اعمال الوظيفة.
لكن المشكلة ليست فقط في استعمال النمرة الحمراء في كل الاوقات بل الشعور انها بضاعة مستباحة دون اهتمام او رعاية فهي مال دولة, فالسيارة اذا اصابها عطل يتم تصليحها من مال الدولة وتأتي سيارة اخرى, والبعض لديه سيارات عديدة للأطفال والزوجة وغيرها من الامور وكلها سيارات ذات محركات كبيرة فأحيانا شراء اغراض البيت لمسؤول تكلف الخزينة من سيارة وسائق وبنزين ما يعادل راتب موظف.
ومن مخالفة الوزير الاسترالي نأتي الى حكاية الفساد في العالم ومنها بلادنا, فما زالت كلمة السر ضائعة رغم وجود تشريعات وهيئات ودواوين.. لأن كلمة السر هي في قناعة المواطن ان "الموضوع جدّ", أي القناعة أن كل الفساد تتم المحاسبة عليه, وان كل الفاسدين يمكن ان يذهبوا الى القانون ليحاسبهم, وربما هناك قناعة ان هناك ملفات هامة تختفي أي تتحول الى ارشيف رغم كل ما يقال عنها, اي نحتاج الى ان يقتنع الناس ان عمليات محاسبة الفاسدين تتم من البداية الى النهاية, ولهذا عندما نذكر قصة الوزير الاسترالي فإنها من المعايير التي تجعل المواطن يثق ان مسار الدولة من اعراف وثقافة وتشريع تمنع تجاوز القانون.
قبل ايام بثت قناة الجزيرة تقريرا حول دراسة تمت في اوروبا برعاية من الامم المتحدة ووجهات علمية أثبتت ان المجتمع الدنمركي من اكثر شعوب اوروبا سعادة, والسبب الرئيس لهذا حالة الثقة والطمأنينة في علاقة المواطن مع الدولة.
واذا كانت محاربة الفساد تعزز الثقة بين المواطن والدول فإن هناك ما هو أصعب على الناس وهو ان تقوم الدولة -اي دولة- بالتعامل مع المواطن والرأي العام (بدقارة) او عناد فإذا كان هناك حديث عن مسؤول بأنه يمارس فسادا يتم اعطاء هذا المسؤول مكانة رفيعة ويتحول الى شخص مدلل, او يتم ابعاده من موقعه الى مواقع اخرى.
ومن أشكال الالتفاف على الواقع ان يبرر البعض عدم محاسبة من عليه شبهات فساد بالقول ان الدولة يجب ان لا تعاقب رجالها, او القول ان تكاثر عمليات المحاسبة ستخلق قناعة أن الفساد منتشر في طبقات المسؤولين.
المشكلة ليست خاصة بدولة واحدة بل حالة عابرة لدولنا ومجتمعاتنا في العالم الثالث, لكن الجرأة على الفساد وتجاوز القانون اذا لم يقابلها جرأة في تطبيق القانون فإن الثمن تجاوز من الناس على السياسات العلاقات التي تحكم علاقاتهم بدولهم.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية