مقياس النجاح والتأثير والتغيير هو وجود المؤسسات, لان الأفراد مهما بلغت قدراتهم من السهل ان يصابوا بالكسل والاحباط او تغيير المسار, وقوة الدولة بقوة مؤسساتها, لكنها ليست المؤسسات الرسمية فقط بل القوى الاجتماعية والاقتصادية.
والعشائر عبر تاريخ الدولة الاردنية كانت مؤسسات ساهمت في تثبيت اركان الدولة في مرحلة التأسيس, وقدمت قيادات ورموزا ورجالات في كل المجالات, ومن رجالاتها كانت هناك شخصيات عشائرية ذات قوة ليس فقط في الدفاع عن الدولة من معسكر تأييد بل في الدفاع عنها من معسكر رفض الخطأ.
لكن البعض عمل على تغيير الدور, وساهم في رسم صورة اخرى للعشيرة وكأنها حديقة خلفية للحكومات وليست جزءا من الدولة, لكنه جزء قوي في رجاله ودوره ومواقفه, وبمساهمات من اكثر من طرف كانت المحاولات لرسم دور وكأن العشائر جزء من اكسسوارات العملية السياسية, وكانت هناك خطيئة كبرى ان جزءا من العشائر كانت تعيش في مناطق ومحافظات غاب عنها الانصاف التنموي فأصبحت بؤرا للفقر بحيث اصبحت هذه المناطق تظهر وكأنها مناطق استقبال للعون او لتقديم نماذج للفقر ونقص الخدمات, وكان هناك عمل باتجاه تصوير الشخصيات العشائرية وعلاقتها بالدولة علاقة شعر وتراث, وخرج من بين عشائرنا شخصيات اعتبرت ان تمثيلها لعشائرها يعني مكاسب او حظوة ومواقع, فلم يخدموا مناطقهم ومحافظاتهم وعشائرهم, وكانت هناك جهات ذات دوافع رديئة حاولت عمل ربط بين الشخصيات العشائرية والبساطة, وحتى مع كل التطور العلمي والتعليم المتقدم لابناء العشائر الا ان البعض مستمر في هذا.
القضية الاساسية هي دور العشائر وحضورها, ونتحدث عن الدور السياسي والاجتماعي فبعض العشائر اهم من كثير من الاحزاب والفعاليات. والعشائر ليس بينها وبين الدولة مشكلة ثقة او سؤال الولاء والانتماء, ورجالات العشائر وشبابها هم الذين حفظوا للدولة قوتها في المنعطفات الصعبة والخطيرة, لكنهم ايضا اصحاب رأي يجب ان يكون لهم حضور ليس من خلال مواقعهم الوظيفية بل من خلال مؤسسة العشيرة, فنحن نشهد مراحل محورها شخص يثير الصخب والخلاف ويمتلك سلطة كبيرة, واحيانا يكون صاحب مال او شركة وهو مؤثر ويده طويلة، وأحيانا يجيّر شخص او اشخاص مسار الدولة لمصالحهم واجنداتهم الخاصة, والجميع يراقب ويشاهد, وبسبب ضعف المؤسسات يفرح الناس عندما يجدون موقفا من نائب او مسؤول سابق يقول ما يجب, فلماذا لا تعود للعشيرة الاردنية قوتها السياسية وحضورها وصوتها كمؤسسة, وهي المؤسسة المنتمية للاردن وقيادته, والمؤسسة التي لا تفكر بعقلية التراتزيت فالاردن خيارها الاول والاخير, ومناطقهم بؤر الفقر والبطالة والظلم التنموي, وهم ابناء الطبقة الفقيرة والمتوسطة, واهلها ليسوا من اهل الارصدة في الخارج او ممن لديهم جنسيات عديدة جاهزة لاستقبالهم ولا يستقوون بجهات اجنبية او يتلقون توجيهات من سفارة او تمويلا ليرفعوا صوتهم بما يحب صاحب المال.
ما دفعني للتذكير بهذا ما قرأناه قبل ايام عن اجتماع لعدد من شيوخ ووجهاء بعض عشائرنا للبحث في القضايا العامة, وهو لقاء قائم على الانتماء والولاء وصدق العلاقة مع وطنهم, لكنه يتحدث في القضايا العامة ويرفع الصوت للتحذير من الخطأ, لان هذه العشائر في كل المحافظات والقرى الاكثر تضررا من اي اضعاف للدولة يمس بثوابتها.
نحتاج الى قوة مؤسسة العشيرة لتكون جزءا من ضمانات قوة الدولة, ولا بد لرجال العشائر ان يدركوا انهم من الحصون الهامة, وان الرجولة التي تعرف بها عشائرنا يجب ان تكون ايضا في مجال العمل العام, فلا يعقل ان تكون لدينا مراحل ابطالها فرد افراد بينما فئات اجتماعية كبرى وذات دور تاريخي لا تمارس اكثر من المشاهدة والرقابة وتداول ما يجري.
اذا كان سجل شهداء الاردن في معظمه من ابناء عشائرنا الكريمة فان حاضر الاردن ومستقبله يحتاج الى مؤسسة العشيرة القوية.
واخيرا فان الدعوة الى اعادة الاعتبار لمؤسسة العشيرة كقوة اجتماعية سياسية ليست بديلا عن مؤسسات العمل العام المختلفة من احزاب ونقابات وجمعيات, لكن العشيرة ليست فقط لاختيار مرشح للانتخابات او لصلح عشائري بل قوة من قوى الدولة, واحدى آليات الاصلاح وتصحيح المسارات وحماية الدولة كفكرة وكيان.

المراجع

alghad.com

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية