مازلت أذكر الحضور الباهي لتلك الجدّة في حيّنا هي وزوجها الهرم. كان بيتها مُسورا بسور طيني وبوابته مشرعة دائماً ، وحيواناتها التي تتوسط الحوش من جمل كبير وحمار ودجاج بلدي وعنزة شامية وغرفة طينية صغيرة تضم بقرة هولندية حلوب. وحضورها وسط كل هذا وكأنها تمارس عدوانية من نوع ما تجاه حيّنا ، وخصوصا أن سكان الحي - وبرغم اصولهم الفلاحية - كانوا غادروا مثل هذه الاهتمامات وأخذتهم انشغالات الرزق في المدينة.
كانت أمي تُنهضني بعد صلاة الفجر بقليل: طالبة مني أن اشتري لها حليبا من عند تلك الجدّة. كان هذا في أواخر خمسينيات القرن الفائت. واعترف هنا بأني صرخت في وجه والدتي متذمراً من هذه اليقظة المبكرة. لكني وحينما تسللت في ذاك الغبش الصباحي نحو بيت الجدّة فرحت لتنشقي رائحة الصباح الغسقي على هذا النحو ، مثلما فرحت بالندى الصيفي الذي يغطي الجدران ويبلل اسفلت الشارع بهذا الحنو الفاتن.
وأذكر اني وحينما طرقت باب دارها ولم تفتح لي ، أني دخلت حوش الدار وندهت عليها سمعت صوتها المتحشرج والممطوط وهي تقول نعم. أذكر انني أصبت بالدهشة وأنا أتلفت حولي وأتطلع الى الجمل الذي كان يجتر أعشاباً جافة ويتلفت بطمأنينة نادرة ذات اليمين وذات الشمال. وحينما ظهرت الجدة من بوابة غرفتها الكبيرة همهمت بكلمات بطيئة وهي تخاطب زوجها الهرم.
الجدّة تناولت مني طاسة معدنية وأمسكت بيدي واقتادتني نحو تلك الغرفة الطينية الصغيرة: حيث تقف البقرة الهولندية بكل طمأنينة ايضاً.
وحين دخلنا الغرفة باغتتني العتمة الصباحية المختلطة بروائح التبن والطين ومخلفات البقرة ، وقفت هي بجانب البقرة وألقت عليها السلام ومن ثم أخذت تمسد على ظهرها وتقرأ من قصار الصور القرآنية ، ومن ثم جلست القرفصاء وأخذت تمسد بحنو على ضرع البقرة وتقرأ المزيد من الآيات. ثم أخذت تحلب البقرة تاركة صوت ايقاع ارتطام الحليب بالطاسة يأخذ طعم الحنان الغامض.
ما زلت أذكر كيف قررتُ من يومها - آنذاك - أن استيقظ في كل فجر كي أذهب الى عوالم الجدّة الساحرة حقاً.
مرت سنوات طويلة على هذا الطقس الصباحي ، وما زلت كلما سرت من أمام بيتها - الذي تحول الى واجهة اسمنتية انيقة ومحلات وطوابق - أحن الى جدّة كانت تختصر كل امهات العالم ببسملة صباحية بلون الحليب.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور