رأيتهم بأم عيني اول أمس وهم يحملون تاريخهم على ظهورهم ، ويعبرون ازقة الحي الذي صار اسمه حي اليهود ، ويقبلون على افتتاح كنيسهم الجديد المجاور للمسجد الاقصى ، والذي أعطوه اسمه الجديد "كنيس الخراب".
رأيت فرحهم الغبي في احتلال الامكنة العربية والاسلامية وهم يحملون "توراتهم" الذي كان يختبئ في ثنايا وتسطيحات جدار البكاء الذي كان يحمل اسم جدار البراق. رأيت حاخاماً مسناً يمسك ونحن في الالفية الثالثة بريشة يغمس رأسها بالحبر ليدون سطره اللاهوتي الاضافي في التوراة التي كانت ترتعش بالاكف والايدي التي تحملها. حاولت أن أخمن ما كتبه الحاخام الهرم والذي كان يبدو أنه خرج من أغوار التاريخ للتو فلم أعرف ، سوى انه يمارس فعل الحقد الابدي لليهود على الامكنة ومحاولة تذوق طعم الاقامة فيها من جديد.
رأيتهم بأم عيني وهم يحملون بعض البيارق التي تشبه الخيمة ، التي ظلت طائرة عبر قرون عديدة في التاريخ كي تؤكد تشتتهم في جغرافيا الكون ، وكانت الخيمة ترتعش وتهتز منبهرة اخيراً بوجود المكان الذي يوحي بالثبات وبيقين التديُّن.
رأيتهم بأم عيني "التلفزاية" وهم يرقصون ويصفقون فرحأ وغناء وهم يعبرون المبنى الذي دشنوه حديثاً وصار اسمه كنيس الخراب. وكان عليّ أن استهجن من تلك الذاكرة اليهودية ، التي ظلت تعتقد أن هذا الكنيس اقيم في الاساس ، وأخذ هذه التسمية التخربية ، بسبب ما وقع على الهيكل المزعوم من خراب. وأن فرحة الافتتاح لهذا الكنيس قادت المحتفلين الى قناعة عجيبة من انهم ذهبوا في الخطوة الاولى نحو اعادة بناء الهيكل السليماني المقدس.
رأيتهم بأم عيني اول أمس وهم يمارسون هوايتهم المزمنّة في قيادة التاريخ من ياقته وادخاله قسراً في الالفية الثالثة ، وجعله يمارس غباءه المكاني من جديد. على اعتبار أن لليهود وحدهم - من بين كل الامم والاديان - الحق في استحضار عقدهم التاريخية ، دون أن يتهموا بتلك المسميات الجديدة والمتطايرة في كل ارجاء الكون عن التطرف والارهاب .
رأيتهم بأم عيني اول أمس وهم يدخلون كنيسهم المتورم عمرانيأ بقبته ومساحته كي يتطاول على الاشراقة الذهبية لقبة الصخرة المشرفة. رأيت كنيسهم الذي يحمل اسم الخراب ، ورأيت الخراب المقبل على فضاء المدينة المقدسة ، وتلك الاعمال التي تسعى لتحقيق النبوءة التاريخية والتي تقول: بأن حال القدس لن يصلح حتى يصل الدم في ازقتها وحواريها حد الرُكب.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور