صباح الخير ايتها الأم الطيبة في عيدك الذي يهل في كل عام وهو يقود ذاكرة كاملة من ياقتها الامومية العابقة بالمحبة والعناق. يقود الدعاءات والابتهالات التي كانت تحرس خروجنا من البيت الى حماقات الحي ومكابدات العشق الغبي والطازج مع ابنة الجيران التي نبتت تضاريس جسدها للتو. وذهابنا الصباحي لمدرسة لم نكن نميز ساحتها وفصولها عن ساحة البيت الا بالطبشور والسبورة وصفعة المعلم والكراريس.

صباح قبرك الساكن بالمحبة. قبرك هذا الذي ظل يتوعدك ويستدرجك حتى اوقعك بحباله الترابية وباسمنته وبالشاهد الذي حمل اسمك بهذا الخط الطيب والساذج. لكن من قال ان الخط النائم في الشاهد القبري يدلل على الأم التي كانت تفك صباحاتنا الفجرية بالدعاء والصلاة وبطلب الرضا من رب العائلة الذي كان يذهب بخاكيه المشبع بالتعب وفك طلسم الرزق. من قال ان هذه الاستطالة القبرية قادرة على ان تأخذك من ذاكرة تظل تحتفل بك صبح مساء.

صباح قبرك في هذا الضحى الدنيوي الذي مازلنا نتنشق عبيره ونقوى من خلاله على انهاضك من قيلولتك القبرية كي نعيد تأثيث امومتك وعناقك لنا من جديد. نعيد قامتك الممشوقة وايقاع صوتك النادر في الصلاة الفجرية وأمية نطق الايات بما تيسر من التلقين الذي منحك اياه الاباء والاجداد والجدات. نعيد بسملتك الصباحبة الهامسة فوق الطحين المبلل بالماء وخبط العجين الذي سيتحول الى رغيف متوهج بلونه النحاسي عند الظهر ، والى خبز نظل نغمسه بالطبيخ الذي مازلت اسميه بطبيخ الامهات.

وصباح قبرك وذعرك الابدي من المرض وانت تندهين في كل ليلة على اجدادك الاولياء كي يحرسوا نومتك هذه من الموت وذعر قطيعة الاولاد ويتمهم المبكر طالبة منّا وفي كل ليلة ان نمد فراشك باتجاه القبلة الذاهبة في جغرافيتها نحو الكعبة المشرفة.

وصباح العتابا والميجنا التي كانت تجعلك في كل ظهيرة وحينما يصطادك ضجر ظهيرة البيت تطلقينها حد البكاء وانت تستذكرين يرغول والدك الذي كان في زمن البلاد يقود نساء القرية الى نسيان الخبز في الطابون حد الاحتراق بسبب نغماته التي كانت تسرق لبهن الانثوي.

وصباح الام التي كانت تمنحنا طعم الامهات النادر في الحنو والعناق والامساك بالطمأنينة من يدها في كل مصافحة وفي كل تمسيدة كانت تطلقها يدك المرتعشة فوق رؤوسنا.

صباحك سكر ايتها الأم الطيبة وكل عام وانت بخير في عيدك الذي يظللني كل عام بالمحبة وبالحسرة في عدم القدرة على رد الجميل.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور