في الأيام القليلة الماضية، أظهر الشعب الأردني معدنه الأصيل. فكعادته، بادر إلى مد يد العون إلى من يحتاج مساعدة نتيجة الأوضاع المأساوية التي وجد نفسه وعائلته فيها بعد تساقط الأمطار والثلوج بكثافة غير مسبوقة. وقد بادر نشطاء إلى التطوع لتقديم المساعدة قدر الإمكان، وآخرون ساعدوا قدر المستطاع وفق إمكاناتهم.
بالإضافة إلى ذلك، بذلت الأجهزة المعنية جهودا جبارة لمساعدة من يحتاج لذلك، وقامت بفتح الطرق، وتسهيل الحركة، وتنظيف الأنفاق من المياه المتجمعة التي أدت إلى إغلاقها لفترات زمنية، بالإضافة إلى مساعدة من تقطعت بهم السبل، فحوصروا في بيوتهم أو في الشوارع والطرقات نتيجة للأمطار والثلوج.
ليست النخوة غريبة على الأردنيين، ولا أحد يشكك في ذلك؛ فعند الظروف الصعبة يظهر معدن الناس. ولكن القضية ليست مرتبطة بالنخوة والشجاعة. إذ إن ما حدث في الأيام السابقة يدعو إلى التساؤل والتحقيق والمحاسبة، فلا يجوز أن نقبل بتبريرات غير موضوعية على شاكلة أن الأمطار التي سقطت على المملكة غير مسبوقة ولم تكن في الحسبان، ولذلك فإن شبكة الصرف الصحي، وقنوات تصريف المياه في الشوارع والطرق الرئيسة وغير الرئيسة، لم تكن مهيأة لاستقبال هذه الكميات من المياه، فأُغلقت الأنفاق الرئيسة في العاصمة، وكذا شوارع رئيسة في الكثير من المحافظات، وخصوصا في المدن الرئيسة. لقد سمعنا هذا التبرير كثيرا في الآونة الأخيرة، وكأن ما حدث لا يتحمل أحد مسؤوليته، سوى أن الجهات المختصة لم تحسب حسابا لمثل هذه الظروف الطارئة، والأمطار غير المسبوقة فحدث ما حدث. وبهذا التفسير أو التبرير فالمسؤولية لا تقع على أحد، فالظروف الجوية غير مسبوقة، والأمطار غير متوقعة بهذا الشكل، وقد حسب حساب أمطار ومياه أقل، ولذلك لا داعي لمحاسبة أحد.
طبعا، قدم هذا التبرير بعد أن أكدت الجهات المعنية، وخصوصا أمانة عمان، قبل دخول المنخفض الجوي، أن الاستعدادات اكتملت لمواجهة المنخفض؛ فقد نظفت شبكة الصرف الصحي، واتخذت الاحتياطات، وأعلنت حالة الطوارئ.. ولكن بعد المنخفض الجوي، وما حدث من تساقط للأمطار والثلوج، فإن الجهات المعنية بادرت إلى تبرير تقصيرها بالقول إن شبكة الصرف الصحي وقنوات تصريف المياه غير قادرة على تصريف كميات الأمطار التي سقطت لضخامتها، فهذه الشبكة غير مصممة لذلك! هل يقنع هذا التبرير المواطنين؟ أعتقد أنه لا يقنع أحدا لأنه غير منطقي، لاسيما أن الأمطار والثلوج تهطل على المملكة منذ سنوات، وقد هطلت السنة الماضية بكثافة.
القضية هي أن هناك أخطاء ارتكبت، وأن هناك جهات تتحمل ما حدث من أخطاء وإرباكات، وعدم استعداد وتخطيط مناسبين، ما يوجب أن تقف أمام نفسها وتحاسبها، وكذلك أن تقف الحكومة أمام هذه الجهات وتتخذ بحقها الإجراءات المناسبة. كما يجب أن تقف الحكومة أمام نفسها وتحاسبها فيما إذا كانت قد نجحت في التعامل مع الظروف الجوية الطارئة والأحداث التي رافقتها. هناك جهات نجحت بامتياز، وهناك جهات أخفقت؛ فلتتحمل كل جهة المسؤولية وفقا لأدائها وجهودها.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة محمد سويدان جريدة الغد