تبدو الاشياء العابرة والصغيرة والتي تعتبر غير لافتة للآخرين بالنسبة لي من الحالات التي ترافقني بشكل دائم ، وتتناوب في حضورها الملح في ذاكرتي. وعليّ أن أعترف هنا ان التفاصيل الصغيرة التي تستقر عليها عيناي حد الدهشة احياناً هي البلسم الوحيد لشقائي المزمن في مراقبة الحياة وتحولاتها.
فعلى سبيل المثال كثيراً ما أواظب على مشاهدة ذاك الدرج الحجري الذي تغطيه الطحالب وهو يصعد باتجاه جبل الويبدة من وسط البلد ، وكثيراً ما أتتبع درجاته بنظراتي الصاعدة الى الباب المعدني السميك الذي يبدو بأنه تم اغلاقه بشكل أبدي. وكثيراً ما تنتابني الرغبة لصعود هذا الدرج الميت وملاحقة الحياة المتبقية فيه وذلك عن طريق صعوده حتى آخره ومن ثم تسلق ذاك الباب المعدني كي أرى على ماذا يطل لكنّ وقاري العمري يمنعني من ممارسة هذا الفضول.
وعلى سبيل المثال أيضاً اراقب في وسط البلد آرمات معدية ميتة تحمل اسماء تجار شبعوا موتاً مثلما شبعت بضاعتهم موتاً هي الاخرى ، وتدهشني تلك العبارات التجارية التي كتبت بخط الثلث الآيل للسقوط ، ورقم الهاتف الذي كتب في أربع خانات.
وتدهشني تلك المواظبة التي يمارسها مجنون وسط البلد وهو ينطلق ببضاعته الساذجة كالسهم من بين الجميع هاتفاً بالتهليل والصلاة على النبي ، متجاوزاً فكرة ارتطام جسده النحيل بالمارّة ، وأتذكر عبوره من جانبي بسرعة مجنونة وبذاك الفحيح الكهربائي الذي تطلقه حركته المتسارعة.
وحين يصطادني سقف السيل ومحلات الملابس المستعملة تأخذني تلك الرائحة المعقمة للملابس نحو اصاحبها الذين تركوا عرق اجسادهم يعبر كل هذه القارات كي يستقر في واجهة محل الملابس بهذه الاناقة الساذجة.
وفي الشارع الموازي لسقف السيل أقف في كل مرّة عند تقاطع أربعة شوارع وتحديداً عند تلك الزاوية التي تحتلها شجرة كينا باسقة الطول. اقف تحت ظلالها الوارفة وأتلمس جذعها الذي يتجاوز قطره المتر ، واقرأ تلك العبارات التي حفرها أشقياء السوق عليه والتواريخ المدونة ، واراقب البسطات الطائرة حول جذعها وحماقات ابناء السوق ، واقوم بانهاض ذاكرة طويلة لهذه الشجرة التي احتالت على العمران حولها بعد أن ودعت سيلها المتدفق وبقيت وحيدة في هذا المدى السوقي الضيق.
هي أشياء صغيرة تظل تلكز ارواحنا بسرية تامة كي توقظ فيها هذا الحزن العماني الغامض.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور