ما من دراما في العالم استنفدت رصيدها على صعيد المضمون مثل الدراما العربية ، والغريب أن هذه الدراما تعمل على مضغ هذه المضامين واعادة تشكيلها من جديد في كل مرّة. على اعتبار انها المرة الاولى التي يتم فيها تناول هذا الموضوع أو ذاك.

وفي هذا الاطار دأبت الدراما العربية على تحاشي الارتطام بالمضارع الاجتماعي الذي تعيشه شعوبنا العربية ، ومحاولة الذهاب الدائم للماضي كي تعيد تشكيله من جديد ، ذلك ان التعامل مع الماضي الاجتماعي والتاريخي للمجتمعات العربية يعفي هذه الدراما من تسديد فواتير يمليها الواقع القائم أن تمت معالجته درامياً ، ولهذا تظل الماضوية التاريخية الاجتماعية هي المكان الخصب الذي تنهل منه الدراما العربية ، وبالخصوص الدراما التلفزيونية.

ومن هنا بتنا نلاحظ هذا الاصرار على تناول التاريخ في حلقات تاريخية ضمن معالجات أقل ما يقال عنها انها معالجات ساذجة ولا ترتقي الى مستوى الحادثة التاريخية ، فتبدو الانتقائية في تناول الحدث التاريخي هي العامل المهيمن على العمل الدرامي.

وفي السياق ذاته أخذت هذه الدراما على عاتقها وفي ماراثون الدورة الرمضانية من كل عام ، تناول شخصية عربية لها دورها السياسي أو الاجتماعي أو الفني ، ومن ثم العمل على تثويرها درامياً في حلقات تزيد عن الثلاثين حلقة. وقد شاهدنا مسلسلات درامية تناولت شخصيات مثل شخصية الزعيم المصري الراحل جمال عبدالناصر ، وشخصيات فكرية مثل شخصية الشيخ جمال الدين الافغاني وشخصية عميد الادب العربي الدكتور طه حسين ، وشخصيات فنية مثل ام كلثوم والعندليب وأخيراً اسمهان.

لكن الطريف ان تناول الشخصيات الفنية العربية في مسلسلات درامية لم يجعل مثل هذه المسلسلات بمنأى عن ايقظ اقارب هؤلاء الموتى في قضايا ومحاكمات وايقاف عرض ، مثلما حدث في مسلسل "اسمهان".

وهذه الايام تجري محاولات مع الفنانة الشحرورة صباح لسرد حياتها في مسلسل ضمن العروض الدرامية في رمضان المقبل ، وقد تم الاتفاق مبدئياً مع احد المخرجين ، على ان يتم البحث عن فنانة قادرة على تجسيد شخصية الشحرورة.

وهكذا تظل الدراما العربية تتملص من واقعها الآني وتهادنه وهي تذهب الى الماضي كي توقظه ، ذلك ان الماضي يقوى على تحمل الكثير من الاسقاطات وربما الادانات بينما يبقى المضارع القائم لا يحتمل حتى مسه او الاقتراب منه ، وربما هنا تكمن كارثة الدراما العربية.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور