تبدو الحضارات احياناً وهي تعبر خريفها التاريخي ، مثلَ جسدً الانسان الذي يطلق الاشارات كاعلان عن وجود المرض ، لتمنحنا مايشبه حالة الفراغ المدوية والمرعبة التي يمنحنا اياها الفراغ الأمني الذي عادة ماتحدثه الحكومات السياسية الفاشلة في بعض الدول لتغرق دولتها في التقويض والخراب وعدم الأمان.

والحضارت الانسانية عموماً وحينما تبدأ متواليات العد العكسي لاقتراب انهيارها تبدأ بالعمل على التخلي عن افقها الرحب المتطلع دائما الى حراثة المستقبل ، وتبدأ بالتدريج بالذهاب الى التاريخ النائم في احشائها كي توقظه من جديد ليتحول الى وقود لحركتها المقبلة.

ان هذا الاجترار الذي تمارسه حضارتنا الانسانية الذاهبة عميقاً في اعادة مضغ التاريخ قد بدا يعطي الاشارات لتقويض هذه الحضارة وتدميرها. والعالم الذي اقتنع انه ودّع الحروب الطائفية والاثنية والعرقية والدينية بكافة اشكالها هاهو يعود من جديد الى ايقاظ هذه الفتن االنائمة والمحنطة في اعماقه كي يعيد اليها ماء الحياة.

فمنذ ان اصدر "هينتجتون" كراسته التي حملت عنوان صراع الحضارات معتبرة ان الاسلام وبعد تشظي الاتحاد السوفييتي هو العدو الحضاري الوحيد المتبقي لحضارات العالم فان افكار "هينتجتون" قفزت من مكانها الورقي وطعمها الحبري لتتحول الى حقيقة قائمة على الارض. حقيقية قادرة على ان تكون قائمة بشكل حقيقي. حقيقة تمثلت بتدمير ابراج مدينة نيويورك ، والقيام مقابل هذا باحتلال افغانستان واحتلال العراق والعمل على ايقاظ كل الفتن الطائفية والدينية النائمة في احشاء التاريخ الانساني.

وربما وضمن هذا الرجوع التاريخي المبرر الى الماضي واعادة احيائه من جديد تنهض حالياً الجغرافيا التوارتية اليهودية والصهيونية من جديد لتعيد تهويد مدينة القدس وتعمل على اقتلاع اهلها من بيوتهم وحاراتهم وحقولهم بحجة اقتياد التاريخ المنقرض واعادة بث دم الحياة في عروقه تحت وهم اعادة بناء الدولة اليهودية.

ان حضارتنا التي تركت آنيها المضارع واعتذرت عن التفاعل معه وذهبت راضية نحو التاريخ الميت والمحنط كي تجتره وتمضغه من جديد. هي الحضارة التي بدأت تدخل البشرية في الفراغ الحضاري المرعب الذي سيكون ثمنه باهظاً على كافة الصعد الحياتية للانسان. ويبدو ان البشرية جمعاء سوف تبدأ بتسديد فاتورة هذا الفراغ الحضاري الذي يعيدنا صبح مساء الى التاريخ الذي كنّا اعتقدنا اننا تجاوزناه.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور