الطبيب النظيف المعافى من كل سوء صحي ، قال لي بصوت نيئ وتبشيري وهو يتصفح صورة الاشعة الخاصة بصدري: "عليك التوقف عن التدخين فوراً".

الطبيب الذي يتعامل مع مرضاه بتقزز ، يقوم على فكرة عدم وعي المرضى بالحياة الصحية النجيبة وبسبب انهم يأتون دائماً في وقت متأخر. لم يكن يدري أن علاقتي مع التبغ والدخان تكاد تكون علاقة جينية.

الطبيب الذي اتخذ قراره بالنطق التحذيري من معاودتي التدخين بسب التهاب في القصبات الهوائية قائلاً" بعد ايام سوف تصاب بالاختناق الذي يسببه التدخين ، وبعدها ستضطر الى استعمالات طبية من ادوية واجهزة انت لن تحتملها.

الطبيب ذاته الذي يتكرر في كل ليلة طوارئية في المستشفى تاركاً الممرض يتولى الحركات الاجرائية الطبية الاخرى ، بحيث يبدو انه يحضر فجأة ويختفي فجأة. تركني وشرياني يستقبل المضاد الحيوي أقع في ذاكرة تبغية بامتياز.

فالطبيب لا يدري انني ابن اعمام واجداد كانوا يؤثثون فضاء بيتنا بحلقات دخان الهيشي ورائحة تلك العباءات ، وأن أهم الخدمات الاولية التي كانت تقدم لهم هي احضار المنافض واتباعها بابريق الشاي وبتلك الرشفات التي كان يختلط ايقاع صوتها بتلك الرائحة النادرة للتبغ ، ولدخان الهيشي تحديداً.

الطبيب الذي نهاني بلغة صارمة عن التدخين لم يعلم ان فكرة المدخن السلبي هي فكر فكاهية بامتياز ، لانني اصبت بها انا وجيلي في وقت مبكر. جراء تنشقنا الدائم لدخان الاعمام والاجداد.

الطبيب المناوب لم يدر اننا نمتلك تاريخاً تبغياً بدأ بعيدان الملوخية المجففة التي كنّا نحشوها بأوراق شجرة السرو ، ومن ثم تنقلنا الى دخان "اللولو" الذي كان ثمنه لايتجاوز الاربعة قروش ، ومن ثم تدرجنا في عمرنا التبغي حتى عبرنا دخان "السيد" ومن ثم دخان "ريم" بلونه الطيني المدهش الذي بشرنا برجولة مبكرة ، حيث كان الاقبال على التدخين آنذاك من الدلائل القاطعة على الوقوف على عتبات الرجولة.

الطبيب الذي نهاني بصوت طبي حازم عن اقتراف التدخين لا يعلم انه بطلبه هذا يدعوني الى توديع حركة جسدية ظللت اقوم بها من مطلع ستينيات القرن الفائت ، وحتى قدومي الى قسم الطوارئ.

الطبيب العفي المعافى لم يدر اني وحينما غادرت مساحته الطوارئية ، أخرجت علبة سجائري واشعلت تلك السيجارة النادرة،،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور