هكذا فجأة فقدنا طعم الأصدقاء ، وحلّ في الذاكرة ذاك الطعم البارد والمحايد لضجيجهم المحبب.
هكذا فجأة فقدنا طعم صداقة ابن الجيران ، الذي واظب بحضوره الطفولي ، وذاك الحدب الذي كان يميزه في سنوات ارتعاشة الارجل في المشي المُرتبك امام المساحة المتاحة عند بوابة الدار.
فقدنا ذاك الطفل الذي منحنا طعم تلك العلاقة التي لم تبتعد كثيراً عن طعم تلك العلاقة الطازجة مع الشقيق. فقدنا ملازمته لنا في ذاك الشغب الطفولي الجميل ، وتلك الشقاوات. فقدنا شجاراته المُحببة ، وفقدنا تلك الخصومة المباغتة التي كانت تجدده في كل صباح. مثلما فقدنا طعم ياء النداء الذي كانت تطلقه امه علينا ، وهي تشعرنا انه بالامكان ان تتوفر لك تلك الأم الإضافية. تلك الأم المخبأة في بحة صوتها وهي تنادي علينا ، في تلك الظهيرة المدهشة بحضورها.
هكذا فجأة فقدنا طعم صديق الفصل المدرسي ، الذي كان يأتي من الحارت البعيدة ، بحقيبته المدرسية المصنوعة من القماش ، والمطرزه بحروف الآيات القرآنية بألوانها الزاهية. فقدنا طعم شقاوته ، وتلك المساحة الزمنية المتاحة لاقامة علاقة تنتهي مع انتهاء الدوام المدرسي.
فقدنا صديق المقعد المدرسي ، وفقدنا تلك الرائحة التي كان يفرزها تلاصق الطلاب مع تلك الرائحة المعتقة التي كان يطلقها خشب المقعد الدراسي.
هكذا فجأة فقدنا طعم صديق شقاوة الحارات وتلك الهمّة الشبابية في اقتحام الاسواق ودور السينما ، فقدنا الذي كان يجعلنا نقوى على اقتياد الشوارع من ياقتها الاسفلتية ، واقتياد الاسواق والحوانيت واصطياد تلك الفتاة التي اربكت بفتنتها مدينة كاملة.
هكذا فجأة فقدنا طعم اصدقاء الوعي القرائي واصحاب الكتب السميكة الذين ينهضون المساء من أوله ويتوعدونه بالنقاشات والحوارت حتى بزوغ الصباح.
فقدنا طعمهم المثابر على الحياة والتفكير في كل تفاصيلها ومفارقاتها على اعتبار انهم دخلوا الحياة في عطاء أو مناقصة :عليهم الانتهاء منها بالسرعة المطلوبة لانجاز حياة كاملة الدسم.
هكذا فجأة تدرجنا في فقدان طعم الاصدقاء ، ودخلنا في بلاستيكية المعارف والزملاء والمعرفة الطائرة التي حينما تمد يدها وتصافحك تشعر بأنك تلامس دودة كبيرة.
هكذا فجأة سُلبنا من كل أصدقائنا ، ووقفنا على عتبة العمر بهذه الوحدة التي تجعلك تشعر بأنك تُعتقل داخل سياجك اللحمي والجسدي.
هكذا فجأة فقدنا طعم الاصدقاء ... ياللوحشة،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور