وسط هذا العنف الاجتماعي في جامعاتنا ومدارسنا وحاراتنا واسواقنا نحتاج فعلاً لاسترداد صورة الدركي ، ذاك الذي كان يفرض هيبته على كل الاطياف الاجتماعية ، بشتى انواع السُبل.

وما كان يمكن أن يتحول الاردن الى واحة من الطمأنينة والأمن لولا ذاك الدركي الذي أسس لحضوره وسط مجتمعاتنا في ستينيات القرن الفائت.

نعم نحتاج حالياً لاسترداد صورة الدركي الذي ما أن كان يطرق باباً سائلاً عن صاحب البيت ، وضرورة ان يراجع "المخفر" أو "المقاطعة" ، حتى يتحول الحي كله الى خلية نحل تبحث عن الاسباب التي دعت الدركي يطلب الرجل. هذا عداك عن الارتباك الذي كان يحيط بالرجل المطلوب وعائلته ، بسبب هذا الطلب المفاجئ.

نحتاج الى قادة المخافر الذين كانوا يتوزعون في الاحياء ، ويندغمون بسكانه بطريقة تسعى لاحلال التكافل الأمني ، وتجعل من الجميع يحرصون على أمن حيهم وابعاد كل الاشقياء عنه.

نحتاج الى ذاك الدركي الذي كان وحينما يقع الشجار الجمعي يتحول الى طاقة قوية قادرة على اسكات الجميع والسيطرة عليهم ، وفرض القانون بكل السبل المتاحة.

نحتاج الى ذاك الدركي الذي كان يفرق مظاهرة ساذجة الشعارات بحركة من عقاله الذي كان يلوح به في الهواء. أو بحركة قوية يقوم بها وهو يحمل حزامه العسكري.

نحتاج الى قائد المخفر الذي كان في مساءات الخمسينيات والستينيات من القرن الفائت ، حينما يمشي في الشارع ، يفرض ذاك الاحترام من قبل الناس دون ان يمارس الرعب عليهم او الذعر. تاركاً مساحة التواصل الأمني بينه وبين الناس تنمو ، بتلك الكيفية المحببة بين رجل السلطة ورجل الشارع.

نحتاج الى "ابو حسن التحري" الذي كان يقيم في حارتنا الاربدية ، ويرسم في اذهننا الطفولية حالة من الدهشة والاسئلة ، عن الكيفية التي يمكن ان يكون فيها المرء عسكريأً بملابس مدنية ، تاركاً لنا رسم الصور المهولة لحذائه الخفيف الذي هو من ضروريات مهنته. ولم يخطر ببالنا الطفولي يومها السؤال عن الكيفية التي من الممكن ان يكون اسم الرجل كتحرْ بمثل هذه العلانية ، علما ان فكرة "التحري"قائمة على التخفي اصلاً.

في زمن التطاول على الناس بالجرائم والشغب نحتاج ان نخفف من تلك الديمقراطية التي يتحلى بها رجال شرطتنا ، وان نعود قليلاً الى ذاك الدركي كي نوقظه من جديد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور