هم وحدهم من ينهضون من فراشهم الذي اتعبهم ليلة البارحة وهم يقلبون احتياجات العائلة ، وهم من يمسك بضنك العيش يروضونه بالامل وبالرغبة في اشعال الحركة في الحياة. ولهذا تراهم وحينما يلقون تحية الوداع على الزوجة حارسة البيت يطلقون تلك الهمهمة الوداعية التي تبشر الاطفال بعد العمل وبوعد الحصول على الرزق.
هم وحدهم من يستيقظون قبل الفجر بقليل ، يقودون امامهم قطيع ايائل الصباحات بمودة نادرة. وهم وحدهم من يوقظون الفجر بالابتهالات والأدعية وحمى الرجاء من الله ، أن يكمل حياتهم بالستر. وهم حين يقفون في صحن المسجد الصباحي ، تراهم يطفحون بعافية الايمان ، وهم يصطفون خلف الامام الذي يعرفهم واحداً واحداً. وهم لا يغادرون المسجد الا حينما يحسون بالطمأنينة الربانية قد أغدقت عليهم بحضورها الذي يجعلهم يشعرون بالتوازن مع العالم الصباحي الذي ينتظرهم بوعد الرزق.
هم وحدهم من لايقعون في الهرطقات التنظيرية التي تبثها حركة المدينة حولهم فلا يلتفتون الى العبارات الاعلانية التي تحتل الشوارع والأبنية وواجهات المحال التجارية ، وهم من يقبلون على صباح المدينة بهذه الهمة الرجولية النادرة ، دون أي ارتباك من احتيالات الرزق عليهم وتلوناته ، لانهم يعتقدون جازمين أن الله وفي كل صباح يوزع الارزاق على عباده.
هم وحدهم من لا يفكرون في الوطن باعتباره ضرعاً يمكن عصره حتى النهاية ، بل يتعاملون مع الوطن باعتباره احد الاقدار النهائية التي يصعب الافلات منها. ولهذا تراهم لا يقعون في ختل نشرات الاخبار وتصريحات الساسة وتوعداتهم ، بل يقفون على الدوام على حافة الوطن كحراس نادرين يتوزعون في الشهادة والاستبسال وفي الدفاع المستميت الذي يقدم احياناً الشهداء والأسرى. وهم على الاغلب من يكونون وقود كل المعارك التي يرتكبها الساسة.
وهم وحدهم من لا يمتلكون تلك المنّة التي تظل تميز النخبة التي كلما منحت الوطن تظل تجهر به صبح مساء. وهم وحدهم من لا يعرفون الاعتصامات المثقفة ، ولا المظاهرات المتأدلجة بالشعارات السميكة ، وهم وحدهم من يقف تاريخياً عند فتحة الباب الموارب ، ليتقدموا في اللحظة المناسبة كي يفتدوا الوطن بأرواحهم.
هم وحدهم من يقف دائماً على بوابة التاريخ كي يقدموا ابناءهم كوقود لصالح الوطن. وهم وحدهم من لاتراهم في المؤتمرات ، ولا في المشاكسات النقابية ، ولا يتزاحمون على المناصب الوزارية ، ولا يعنيهم التعديل الوزاري المقبل.
هم وحدهم الفقراء تميمة الوطن وايقونته عبر التاريخ.
وهم من يضيئون الوطن بحضورهم البهي دون اي مصلحة. فالمجد كل المجد للفقراء في حيادهم الأبدي عبر التاريخ. هذا الحياد الذي يظل يتوجهم كوقود يضيء حركة التاريخ ويرسم لنا كل هذا الأمل.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور