مع مطلع كل صيف تبدأ معاناتي مع الذين يتعاملون مع فكرة الاستحمام بشكل شهري أو حولي ، حيث تبدأ الاجساد التي يعتقلها العرق المتراكم على مساماتها باطلاق تلك الروائح العفنة التي تشبه رائحة الجيف ، دونما رحمة ودونما اي محاولة للاعتذار من قبلهم ، عن مثل هذه الروائح التي تطلقها اجسادهم. والغريب ان هذه الفئة من الناس تنخرط في اختلاطات قريبة مع الناس الى درجة التقزز.
ومع مطلع كل صيف تبدأ حساسيتي التقززية من هذه الروائح بالاستعداد الى تنشقها ، التي تبدأ معاناتي معها في كل صيف.
وسائق التاكسي الذي من المفترض أن يكون واجهة حضارية للبلد ، تراه يضع بعض الروائح المقترحة والمعقمة في سيارته تاركاً جسده الذي يلاصق جسدك يطلق تلك الرائح الكريهة التي تمتزج مع رائحة جسده فيصنع بحركاته خلف المقود رائحة مركبّة يصعب أن تسميها أو تفهمها ، وفي مثل هذه الحالة فانك ستتجنب كل هذا التقزز بفتح نافذة التاكسي ، لتجد ان الهواء الداخل للتاكسي قد اختلط برائحة جسده مضيفاً حركة ثالثة على تلك الرائحة. تُدحل الانف في حالة من طلسمة التنشق.
والأمر يزداد سوءاً في الحافلات العامة ، حيث تتحد مثل هذه الروائح بشكل جماعي ، فيتحول ابط الكنترول الذي يلصقه في انفك الى رائحة تثير التقزز والاشمئزاز ، ويتحول بعض الشخوص الذين يشاركونك المقعد بالصدفة البحت الى كابوس يطلق تلك الرائحة العرقية طوال الطريق. وحينما يتخلى عن مقعده بشكل مفاجىء تصاب بفرحة سخيفة اساسها التخلص من تلك الرائحة.
وقد ذهبت ذات صيف في حالة تأملية باحثاً عن الاسباب التي تجعل كل هؤلاء يعادون الاستحمام الى هذ الحد. فقلت ربما يعود هذا الى جيل كامل عاش في ستينيات القرن الفائت ، حيث كانت المياه تنقطع لمدة تزيد عن الشهرين ، وحينما كان صنبور المياه يبدأ بالتنقيط كنّا نسمع ما يشبه الزغاريد المائية ، وكنا نسمع ايضا اقبالات متزاحمة في البيوت على الحمام والاغتسال.
وتطورت الفكرة عندي حين فكرت في مكر الامهات آنذاك ومحاولتهن الحفاظ على كمية المياه وعدم التبذير فيها ، وذلك حين كن يطلقنا التحذيرات من العري داخل الحمام الذي يقود الجان والشياطين كي يسكنوا الاجساد. هذا اضافة الى قراءة الآيات والبسملات بعد كل رشقة ماء على الجسد.
وانا ما زلت أذكر صديقي العربي الذي زارني في بيتي في ابو ظبي وحينما رآني أخرج من الحمام صاح مهنئاً "يا ريتو نعيماً يا بو الخل". فكان عليّ ان احذره وهو القادم حديثاً الى ابوظبي وانا اقول له "احذر من استعمال هذه التهنئة مع احد غيري بقولك نعيماً. ذلك ان الحمام هنا يتكرر اكثر من مرة في اليوم ، وبالتالي فهو حادثة لا تستحق التهنئة".
والغريب ان هؤلاء الذين يطلقون تلك الروائح الكريهة ما زالوا في مرحلة الـ"النعيماً" ، التي يستقبلونها بفرح طفولي بعد كل حادثة استحمام نادرة الحدوث،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور