ها نحن نجلس على الحافة المرعبة للعمر ، ونحدق بذاكرة حطّ عليها الصدأ لكثرة ما استرجعنا تفاصيلها في الصباحات المشاغبة. ها نحن نقود الصبية التي كانت تربط شعرها على هيئة ذيل فرس ، نحو وشوشاتنا التي كانت توقظ انوثتها في وقت مبكر ، ونعلمها أحرف الهجاء الاولى لكلمة حب. وها نحن نتذكر تورد وجهها الطافح بذاك الخجل البيتي المحبب لبنت البيت.
ها نحن نستذكر شغب الجارات اللواتي كنّ يحطنّ بأمي في باحة بيتنا وهي تودعنا بغيمة الدعاءات والرضا وبحراسة الرسل والانبياء والصالحين كي تنجو اعمارنا الغضّة من شقاوة الحارات وما كانت تخبأه لنا تلك الازقة اللولبية.
ها نحن نتذكر المشهد الاول لخروج الطفل الغض من الحارة وتشعباتها وهو يرى السوق لأول مرة وبهجته وهو يرى تنوع الناس في الازدحام وتلك الارتطامات الخفيفية التي كانت تؤكد على انسانيته ، والمحال والحوانيت التي كان يجلس فيه التجار بملامحهم التي تشبه أوراق النقد الكبيرة. والتعرف على الشارع الرئيس في المدينة الذي كان يستقطب كل صبايا وشباب المدينة ويطلقهم كشهب نارية تكتظ بفتنة الحياة والاقبال عليها.
ها نحن نجلس على الحافة المرعبة من العمر ونرقب الانسحاب التدرجي للحياة من حولنا بحجة التدرب الاول على مواظبة الجلوس المزمن مع فكرة عزلة الهرم ، ومجافاة الاجيال الطازجة لنا.
ها نحن نبدأ بتعداد الاصدقاء الذين صاروا حراسأ على اجسادهم خوفا من الوقوع في مغبة مرض ضغط الدم أو السكري او حماقة الارتفاع في الشحوم الثلاثية أو توقع الجلطة المباغتة.
ها نحن نبدأ بتعداد الاصدقاء الذين بدأوا يتناوبون في الذهاب الى المقبرة والغياب في أبدية الموت ، ونحاول ان نستردهم الواحد تلو الآخر قبل أن تصطادهم تلك الخلية الغبية التي تسرطنت وقضت على قامة كاملة البهاء والحضور. ونتاكد بأن ذكرالموتى والاصدقاء صار مكتظ وبات يلاحقنا مثل الكابوس.
ها نحن نتمنى أن نمتلك تلك القدرة التي يمتلكها الفيل الهرم الذي حينما تخور قواه ويهرم ينسحب عن قطيعه ويجلس بانتظار موته وحيدأ.
ها نحن نبدأ بالهبوط التدريجي نحو منطقة الهرم ، حيث تلك الوحشة القاتلة التي تجعلنا نمضغ اعمارنا ونعاود اجترارها صبح مساء. بنوع من الاعتيادية الموجعة.
ياللوحشة،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور