بداية ، وقبل كل شيء ، يجب الحديث عن المترجم العربي "اللص" ، الذي ذهب مبكراً ، ولأسباب تربوية برجوازية أو مقتدرة مادياً ، إلى العواصم الأوروبية ، واستطاع أن يجيد الإنجليزية والفرنسية ، واطلع على آدابهما ، وعاد إلينا بمنتجات إبداعية هجينة أساسها اطلاعه المبكر على مثل هذه الآداب. وقد فعل ذلك من دون أن يعود إلى تنصيصات توضح مصادر ابداعاته الجديدة.
فكثير من نقادنا الرواد قاموا ، في وقت مبكر من قرننا الفائت ، بالاطلاع على نظريات نقدية بلغتها الأساس ، ومن ثم قاموا بالنطق بها على اعتبار أنهم أصاحبها. والكثير من الروائيين والشعراء العرب أعادوا إنتاج كتابات روائية مشهورة تحت عنوان "ترجمة بتصرف" ، مثلما كان يفعل المنفلوطي طيب الله ثراه. والأمر ذاته ينطبق على العديد من الشعراء الذين أعادوا إلينا تجارب رامبو وأستورياس وغليفيك. وقد فعلوا ذلك بلصوصية احترافية من دون أن يكلفوا أنفسهم مشقة الإشارة إلى الينابيع الأساسية لقصائدهم الجديدة.
ولا بد هنا من التأكيد على أن شخصية المثقف العربي السائدة ، طوال القرن الفائت ، ظلت تعاني العماء اللغوي تجاه لغة الآخر وثقافته ، وربما هذا ما ساعد العديد من الرواد على الانفراد بنتاجات إبدعية هي في الأصل تعود في تألقها إلى قراءاتهم المبكرة للغات الأخرى.
لكن الحق يقال بأن ثمة عمالقة من مبدعي الترجمة ، من اللغات الأخرى إلى العربية ، استطاعوا ، في وقت قصير نسبيا ، أن يفتحوا تلك النافذة المشعة على ألآداب الأجنبية ، وأن يضعوا القارئ العربي في منطقة الاتصال الدائم مع الآداب الأجنبية بجميع لغاتها.
هؤلاء المترجمون وحدهم من يستحق أن يتقلد وسام خدمة الثقافة العربية في زمن عزّ فيه ثمن الكتاب ، وعزّت فيه القدرة على تعلم اللغة الأخرى.
إننا ، هنا ، لدينا قائمة طويلة من المترجمين الجهابذة الذين خدموا المكتبة العربية وغذوها بالترجمات الأصيلة. فنحن ، على سبيل المثال ، أمام قامة إبداعية من مثل جبرا إبراهيم جبرا الذي قام بترجمة رواية "الصخب والعنف" للأمريكي وليم فوكنر ، وهناك ترجماته النادرة لبعض مسرحيات شكسبير.
وهناك ، أيضاً ، المترجم وليد أبو بكر الذي قام بترجمة الأعمال الكاملة لًـ "تشيخوف" ، والصادرة بطبعة أنيقة عن دار التقدم ، هذا إضافة إلى ترجمته أعمال غوركي الكاملة ، أيضا.
وفي حديثنا عن زمن الجهابذة من المترجمين العرب لا بد من الحديث عن المترجم السوري "سامي الدروبي" الذي ترجم الرواية الرائعة "جسر على نهر درينا" ، وترجمته المبكرة لرائعة الروائي الروسي كورولنكو "الموسيقي الأعمى" ، التي اعتمدت في المنهاج السوري للصف الثاني إعدادي ابتداء من عام ,1957 والطريف أن الراحل الدروبي ، وبسبب حبه هذه الرواية ، قام بترجمتها مجاناً ، ولم يقبض أي شيء من دار التقدم الروسية. وهناك الترجمات التي قام بها المترجم المصري سامي خشبة لأعمال الكاتب البريطاني "كولن ولسن" الذي تحولت كتاباته الفلسفية ، في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت ، إلى ما يشبه النهج الرسولي عند الكتاب العرب.
والأمر ذاته ينطبق على الجهد الذي بذله الكادر المثقف في دار الآداب البيروتية حينما أخذ على عاتقه ترجمة مجمل الأعمال الإبداعية الوجودية الخاصة بسارتر ودبوفوار والبير كامي.
وفي زمننا الحالي ، لا بد من الإشارة إلى الجهد العبقري الذي يقدمه المترجم صالح علماني في ترجمة معظم الأعمال الإبداعية المكتوبة باللغة الإسبانية. فهو له الفضل في تعريف العالم العربي بكاتب مثل ماركيز وكاتبة مثل إيزابيل اللندي وماريو فيغاس يوسا ، والعديد من المبدعين في القارة الأمريكية الجنوبية.
إنّ العالم العربي مدين ، بالفعل ، إلى قامات إبداعية عربية ، في الترجمة ، قدمت العديد من جهدها في سبيل اقتياد المثقف العربي الأعمى ، لغوياً ، نحو الروائع الإبداعية. وقد آن الاوان لتكريم هؤلاء ، والالتفات إلى جهدهم الحضاري النادر.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور