تحدثُ الظاهرة في العادة تماماً مثلما يحدث في الافلام العربية حيث بطل الفيلم الذي يعيش اشكالياته الدرامية ، والذي لن يستطيع ان يوصل تفاصيل هذه الاشكاليات الدرامية للمشاهد الا بوجود شخصية ثانوية يطلق عليها في العادة مسمى "رفيق البطل".
والمشكلة المزمنة عربياً أن المجتمع العربي تأثر تاريخياً بهذا النهج وصارت أي حلقة اجتماعية تحتاج عموماً الى شخص يمثل البطل والى مرادف ثانوي لهذه الشخصية هو رفيق البطل.
فالبطل هذا يتشكل في العادة في وقت مبكر من طفولته بحيث يصر على أن يكون بطلأً للحارة ، ويستعمل في سبيل هذا كل امكانياته من شقاوات وقذارات مسلكية كي يتوج في نهاية الأمر كبطل للحارة.
والمشكلة على الأغلب لا تتوقف عند هذا الصحو البطولي المرتبط بزمن الطفولة والشقاوات ، بل يمتد الأمر مع هذه الشخصية التي تبدأ بالنمو والتسلل داخل المجتمع باحثة عن مكانها المتفوق ، كصاحبة بطولة مطلقة في كل الشؤون الاجتماعية وتعرجاتها ، وباحثة عن الرفيق الاعرج نفسياً كي يظل يصفق لها ويعيش في ظلالها.
فشخصية البطل التي ابتلي بها الوطن العربي عموماً تسعى دائما لنصب شباك لمن يمكن ان يلتف حولها من الشخوص بحيث تتحول بشكل تدريجي الى بؤرة قادرة على مغنطة كل من يدور في فلكها ، وجعلها أداة طيعة للتعبير عن الاورام الذاتية المعقدة التي يعاني منها البطل.
وشخصية البطل تعتبر كل الحوادث التي يتعرض لها الآخرين لا تستحق التوقف عندها ، وتعمل على تحقير اي تجربة للآخر ، بينما تسعى هذه الشخصية ذاتها الى تبجيل تجربتها الخاصة الى درجة التهويل والتقديس.
وشخصية البطل تعتبر أنه من حقها على الاخرين أن يتغنوا بها وأن يمتدحوها دائماً ، وأن من حقها أن تحافظ على الهالة الوهمية التي صنعتها لنفسها عبر تجارب طويلة. وأن تظل محل اطراء وتبجيل في كل المواقع والحالات الاجتماعية.
وشخصية البطل الباحث عن رفقاء يبجلونه دائماً تحولت الى ظاهرة موجعة في التاريخ العربي المعاصر. حيث استطاعت هذه الشخصية أن تتسرب الى التنظيمات السياسية السرية وتمارس سطوتها المعقدة التركيب على هذا التنظيم أو ذاك. وشخصية البطل استطاعت في غفلة من التاريخ أن تتحول الى شخصية قائدة تتحكم بمصير الشعوب وتتسيد عليه. وشخصية البطل تسربت تاريخياً الى معظم المناصب السياسية ، ومارست سطوتها من خلال هذا المنصب أو ذاك.
شخصية البطل التي تبدأ بالتبرعم الاول في الحارات والأزقة سرعان ماتنمو وتتورم ، مصطحبة معها الرفيق الضعيف والموالي لها.
شخصية البطل ورفيقه هي أحدى الكوارث التي ما زالت أمتنا العربية تسدد فواتير عقدها المدمرة في كل مفصل تاريخي.
إنها الشخصية التي تنمو بسرية ، وما ان تتمكن حتى تحدث زلزالها. والغريب أن حادثة البطل ورفيقه ما زالت تتكرر ، والأكثر غرابة هو عدم وأد هذه الشخصية "البطل" قبل أن تحدث كل هذا الخراب الذي نعيش.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور