ومع كل ما يحدث من احباطات متتالية وانكسارات نفسية فأننا لن نرفع الراية البيضاء في عدم اقبالنا على الحياة. سنبقى وبرغم هذا العرج الاجتماعي الذي يحاول اقتيادنا قسراً الى الانزواء ومضغ الكآبة المقترحة ، وسنمد قبضتنا العارية من كل سوء ونهزها في وجه هذه الهجمة القارصة للروح.

لن نسمح للحياة اللدنّة والثقيلة أن تحط على صباحاتنا الوردية التي تشجر أرواحنا بالمحبة الممتزجة مع قهوتنا الصباحية ، والبهجة الفيروزية التي تحتفل بحدوث الانبثاقة الفجرية التي تطلق كل هذه الزقزقات المدهشة الفرحة بكل هذا الاكتظاظ الشجري وبالفضاء اللاحب الذي يغري بالتحليق. وسوف نعاود فرحتنا الصباحية في استدراج تلك الذاكرة التي تأتي مبتهجة بحضور المدينة بكامل دسمها واضعة يدها في يد الاصدقاء والأحبة.

لن نسمح للحياة الشاحبة والكئيبة في أن تحط بثقلها الزئبقي على أرواحنا ، وسنظل ندافع عن الصباحات وعدم افسادها بتلك التكشيرة التي تسعى كي تبشرنا بيوم أعرج يجر وقته بتكاسل بليد.

ومع كل مايحدث من خراب اجتماعي ومن احباطات سياسية تظل الفضائيات العربية تقذفها في اسماعنا ليل نهار ، ومن انهيارات في الاسواق المالية العالمية ، ومباغتة الخبر العاجل. الا أننا كعادتنا المزمنة في الدفاع عن الحياة سوف ندير ظهورنا لكل هذا ونخرج من بوابة البيت بكامل قيافتنا كي نلقي تحية الصباح على شجر الحديقة بذاك التبجيل الشجري الذي يتوج الاخضرار كسيد لحياتنا ، سوف نمسك بالسيقان النحيلة للاشجار وهي تعاند تحول الفصول بالتغير والتورق الجميل وطرح الثمار. وسنحاول ان نصافح تلك الاشجار ونبارك لها قدرتها على هذه الانتصابة الشجرية ، وعلى تلك الوحدة التي تعيشها وهي تمد أغصانها ذاهبة نحو الفضاء كي تؤثثه بالاخضرار ، وبوعد التجدد الدائم.

سنحاول أن نسترد عافيتنا بالمشي في الشوارع والارصفة والذهاب الى تلك الضجة المحببة التي يحدثها الناس البسطاء في الاسواق ، وسنرتعش فرحاً ونحن نشاهد كل هذا التنوع في الوجوه والمهام الذي يمنح الحياة ضجتها الجميلة. سنمسد بايدينا المرتعشة فرحاً على ناصية السوق وأرصفته ، وعلى تلك العتمة المحببة التي تسكن عمق استطالة المحال التجارية ، وفرحة البائع الذي ينفخ صدره كديك يستعد للبيع والمساومة.

سنعاود ايقاظ الاصدقاء والصديقات الذين غابوا طويلاً كي نعيد مجد تلك اللحظات النادرة في المحبة وفي الاقبال على الحياة.

ايتها الحياة القادمة بكل هذه الكآبات المريضة والموجعة لن نرضخ لك ولن نذهب في الانزواء السلحافئي ، وسنظل نهزك من جذورك كي تتساقط كل هذه الثمار الجميلة التي تظل تؤكد لنا جمالية الحياة وروعتها ، ورغبة الاستمار في العيش.

وسنظل على وعد استرداد عافيتنا الروحية بالرقص المبتهج باعادة تأثيث الحياة. تماماً مثلما فعل زوربا اليوناني حينما خذلته الحياة فعانده بالرقص الذي يطلق الجسد من عقاله الكئيب.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور