من المشاكل المزمنة والمتجذرة تاريخياً في المجتمعات العربية ومجتمعات دول العالم الثالث عموماً ، هي تلك المسافة الموحشة والمرعبة بين الخطاب التنظيري التي تولده النخب الاجتماعية والمؤسسات المدنية ، وبين مايجري حقيقة في الواقع الذي نعيش.

فالخطاب التنظيري وحتى القانوني تلاحظ انه مليء بالانشاء المؤثر والايجابي الذي يجعلك تشعر أن كل الامور الاجتماعية على ما يرام ، وأن البرنامج والخطاب المقترح في هذه التنظيرات ، هو المفتاح السري والسحري لحل جميع المشاكل التي نعاني منها.

لكن ما لا يدركه الخطاب التنظيري السائد هو ذاك البعد الباطني في الشخصية العربية ، تلك الباطنية التي تجعل الانسان العربي يثني على كل الاصلاحات والتنويرات الفكرية ، لكنه وعند أول اشكالية يواجهها ينقلب الى وحش كاسر لا يؤمن بشيء الا بذاك المكنون التربوي المتخلف ، حيث يعمل في لحظة الغضب على استخراج كل الجينات المرتبطة بالعصابية الاجتماعية والتخلف الموروث. والمسألة هنا ليست مرتبطة بالمستوى التعليمي لصاحب الاشكالية ولا بالموقع الاجتماعي المتفوق ، بل ترتبط بذاك المكنون الذي يظل بمنأى عن تطوير أو مدنية أو حداثة ، بانتظار ساعة الصفر القادرة على انهاض ذلك المكنون المتخلف من سباته الباطني وتفعيله بما يليق به من تخلف.

وفي محاولتنا للاضاءة على هذا الفصام المزمن عربياً ، نستحضر مثال المرأة العربية التي ما زالت رازحة تحت وطأة الذكورية الماحقة لكل قواها التنويرية كأخت وكأم وكصديقة. مقابل هذا من يتابع ذاك الاندلاق التنظيري حول حقوق المرأة ، ويتابع جمهور الحضور الذي يصفق لكل جملة واعدة يطلقها المحاضر أو الخطيب سيعتقد أن المجتمع يسير بخطوات واثقة نحو المستقبل المشرف للمرأة.

لكن الواقع والاحصائيات الراصدة لقمع المرأة الى درجة القتل والذبح تشير الى غير ذلك. ومن يتابع تلك العبارة المليئة بالغش والنفاق حين نقول "البيوت أسرار" فهذا يعني أن ثمة مذبحة يومية تحدث بين الرجل وزوجته يكون ثمنها عادة الطلاق أو الخلع وتشتيت عائلة كاملة.

ومن يتاح له أن يذهب الى محاكمنا الشرعية سوف يرى بأم عينه مجموع النساء الباحثات عن النفقة ، وعن الفضفضة في استرجاع ذاكرتهن عن رجال أشداء لا يعرفون للرحمة طريق.

ومن يتابع القصص التي تنشرها الصحف العربية عن المشاكل الزوجية التي تنتهي عادة بالقتل ، لا بد وأن يدهش من غياب تفعيل الدور التنويري للقوانيين المتعلقة بالمرأة.

بقي أن اقول إن هذه المقالة أكتبها بمناسبة ذاك الرجل المصري الذي تناولت خبره كل الصحف العربية أمس الاول. هذا الرجل الذي مزق جسد زوجته بطعنات متتالية ، بعد عشرة أشهر من الزواج بسبب قيامها بعمل كوب عصير له بدلاً من كوب الشاي.

فأي مسافة موحشة بين ما نعلنه عن دعم المرأة في حقوقها وبين مسلكنا الواقعي والمدمر معها؟؟.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور