باستمرار، تتحدث الحكومات المتعاقبة عن تطوير الإعلام الرسمي وغير الرسمي، ليواكب التطورات المهنية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتكنولوجية. ولم تخرج الحكومة الحالية عن هذا الخط، فوضعت برنامجا تنفيذيا لاستراتيجية تطوير الإعلام بهدف النهوض به إلى مستويات عالية.
ويعتبر هذا الهدف من الأهداف الاستراتيجية، ليس للحكومات، وإنما للدولة وللمجتمع. فالإعلام يجب أن يتطور ليواكب التغييرات، وليكون معبرا حقيقيا عن المواطن وهمومه وقضاياه. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا لم تتمكن كل الحكومات التي تحدثت عن تطوير الإعلام من تحقيق إنجازات على هذا الصعيد؟ هذا السؤال يجب أن تطرحه الحكومة الحالية على نفسها، وعليها أن تتأنى قبل تقديم الإجابة عنه، إذ عليها أن لا تحمّل الأطراف الأخرى أو الحكومات السابقة مسؤولية عدم قطع شوط في التطوير الإعلامي، فالقضية ببساطة مرتبطة بالآليات المتبعة لتطوير الإعلام وقدرته الفنية والمهنية، كما أنها مرتبطة حقيقة بالمفهوم الحكومي لتطوير الإعلام. 
فالبعض، وهم محقون في ذلك، يعتقدون أن الحكومات عندما تتحدث عن تطوير الإعلام، فإنما تتحدث عن رغبتها في تطويعه، ليكون ناطقا باسمها ولها، وليس معبرا عن مكونات الوطن، أو سلطة حقيقية تراقب الأداء العام وتنتقده، وتبحث عن الحقيقة وتكشفها. فتطوير الإعلام بالنسبة للحكومات، يعني أن يكون الإعلام معبرا عن التوجهات الحكومية، وقادرا على نقلها بأمانة والدفاع عنها. ولكن هذا الهدف لا يمكن أن يتحقق في ظل المتغيرات السياسية والمهنية والاجتماعية، بدرجة الكفاءة ذاتها التي كانت في السابق، عندما كان عدد وسائل الإعلام محدودا. فاليوم، الأمور مختلفة نوعيا وكميا، والإعلام أصبح خارج نطاق السيطرة، فلا تستطيع أي جهة السيطرة عليه، مهما بلغ حجم القيود التشريعية والقانونية والإجرائية التي تضعها عليه. إنها حقيقة على الجميع أن يعيها ويفهمها، وأن يتعامل وفقا لها.
تطوير الإعلام يجب أن يعني تعزيز آلياته ومهاراته وفنياته ووسائله، ليكون إعلاما حرفيا مهنيا متطورا، يضع على رأس أولوياته مصلحة الوطن والمواطن، وليس مصلحة الحكومات.
الإعلام الأردني غير الحكومي يتطور ذاتيا، ويواكب التطورات المهنية والاجتماعية والسياسية، ولكنه بحاجة إلى تعزيز آليات عمله، وتطوير أدواته، ووقف الشطط والتجاوزات التي تقع هنا وهناك، والتعامل مع القضايا الوطنية بحرص ومهنية عاليين. 
نعم، هناك حاجة دائمة إلى التطوير والتحسين، ولكن يجب أن لا يكون الهدف وضع قيود جديدة على الإعلام، فقط لأن أداءه لا يعجب هذه الحكومة أو تلك. فأي قيود مهما كانت شدتها، لن تتمكن من الحد من عمل الإعلام في هذا العصر وهذه المرحلة. فالتغيرات التكنولوجية خلقت وسائل إعلامية جديدة علينا فهمها، والعمل لتعزيز عملها، وتطويره بالكوادر المدربة والمهنية، ومنحها الدعم الكامل للعمل. فعملية تقييدها لن تنجح مهما كانت المبررات أو الآليات. 
على الحكومة وضع برامج وآليات لتطوير الإعلام الرسمي، فهو الذي بحاجة فعلا إلى التطوير والتحديث ليكون إعلاما متطورا، قادرا على التميز والعلو. والإعلام الرسمي يستطيع ذلك، إذ تتوفر الإمكانات والكوادر، ولكنه بحاجة إلى الحرية في العمل. الرقابة على الإعلام الرسمي هي ما يقيده، ويمنعه من التطور والتميز. فليترك الإعلام الرسمي للإعلاميين لتطويره، وليعطَ الحرية الكاملة، عندها سيعزز مهنيته، وسيطور آلياته، وسيصبح إعلاما للوطن والدولة وليس للحكومات.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  محمد سويدان   جريدة الغد