جميعنا سوف نذهب الى الخندق الاخير من العمر ، وجميعنا سوف يبدأ بعد تجاوزه سن ال "60" أو ما يزيد عن ذلك بقليل ، بالاستعداد للاقامة في منطقة حرجة ومعتمة من العمر هي فترة الهرم.

والغريب أن ما من شخص يعد العدّة الى مثل هذه التجربة ، بل يترك سنوات العمر تقوده تلقائياً ، الى هذه الفترة الحرجة من العمر.

فالانسان الغربي الذي يحسب سنوات عمره بالأيام والشهور ، يكون قد وضع خطة مسبقة لكل سنوات عمره الهرمة ، وذلك بالاختلاط في نواد ، أو بالذهاب في رحلات جماعية الى مناطق سياحية في العالم ، لم يرها من قبل ، أو يعمل على تكثيف جهوده في ممارسة هواية تقضي على وحشة العمر ، وتقضي أيضاً على تلك التحديقة الموجعة في حفرة القبر المقترح والقادم.

وعربياً يتم التعامل مع المسنين رجالا كانوا ام نساء ، بنوع من الغرائبية المفجعة التي تجعل الانسان المُسن ، يعيش وحدة موجعة مع روحه.

فالرجل أو المرأة اللذان ماتت أجيالهما ، يتحولان في البيت الذي اسساه بالعرق والمثابرة الى عبْء حقيقي ، على البيت واهله ، أو بالاحرى يتحولان الى مخلوقات اضافية ، لا تستدعي الجدية في التعامل معهما ، أو حتى التحاور . فأهل البيت يبدؤون ومنذ الفجر بتقديم اقتراحات الى هذا الكائن الهرم بأن يجلس قليلاً هنا ، ومن ثم يتم الاقتراح عليه بالتنقل الى أمكنة أخرى في البيت ، الى أن ينتهي به المطاف الى الجلوس المزمن في الشرفة ، أو عند بوابة البيت.

الرجل المسن العربي يتم الاستماع الى افكاره او الى كل ما ينطق به الى نوع من المسايرة أو المجاملة ، ولا يؤخذ كلامه على محمل الجد اطلاقاً ، ذلك أن الزمان الذي نعيشه لم يعد زمانه ، والمتغيرات الحياتية التي نعيشها لا تحتمل اي اقتراح من اقتراحاته ، ولذلك ترى الرجل المسن يقدم افكاره ومقترحاته بنوع من الحرج.

والرجل المسن العربي وبعد فشله في الحصول على اي مستمع حتى من اقرب المقربين اليه ، تراه يلوذ بصمت جارح ، وبوحدة موحشة تعتقله داخل جسده بحيث يظل اسيراً للهواجس وكوابيس العمر المتأخر.

والكائن الانساني المُسن عربياً يسدد فواتير عمره بطريقة يبدو فيها كل من حوله يدفعه بشكل يومي الى حفرة القبر التي تظل تتوعده بالانتظار.

جميعنا سوف يذهب الى تلك المنطقة الحرجة من العمر ، وجميعنا يمارس العماء العمري في النظر اليها او التفكير فيها.

وجميعنا يمارس القسوة ذاتها على المسنيين الهرمين ، والتعامل معهم كمخلوقات معرقلة للحياة وبهجتها. وجميعنا على موعد مع هذا العمر الحرج ، لكن ما من أحد ينظر الى هذه المسألة بجدية ، ولهذا تظل الكوارث المتعلقة بالمسنيين العرب تتناسل وتتكاثر ، وتفعل فعلتها الموحشة والجارحة باعمارنا المقبلة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور