كان الكتاب العرب القدماء يفردون في مؤلفاتهم الباب تلو الباب عن ظواهر اجتماعية مستفحلة في مجتمعاتهم. ويكونون بهذا المسلك التنوري قد اختصروا الطريق على الناس في معرفة اصحاب هذه الظواهر اللافتة. ومن يقرأ الكد التأليفي للجاحظ في كتابه البخلاء مثلاً ، لا بد وان يحصل على رصد كامل لشخصية البخيل وتنوع اشكالها ، وبالتالي يوفر على الناس الجهد في تفسير حالة هذا البخيل أو ذاك.
ويحز في الخاطر فعلاً ان الكتاب العرب انسحبوا في هذا العصر من تجسيد بعض ظواهرهم الاجتماعية الملحة ، والكتابة عنها وتبيان اصولها وتفرعاتها.
وعلى سبيل المثال نجد ان المجتمعات العربية تعاني بشكل واضح من شخصية ثقيل الظل الذي باتت شخصيته تتمدد في مجتمعاتنا دون اي توصيف لها أو رادع.
فثقيل الظل تجده وحينما تتعرف عليه بشكل عابر وضمن جلسة عابرة ايضاً ، يطالبك بمنحه رقم جوالك ، وعنوان سكنك ، واحوالك العائلية وعدد الابناء الذين انجبتهم ، وشهاداتهم وعملهم ، وهو وبناء على تلك الجلسة اليتيمة تجده وحينما يلتقيك في مناسبة أخرى يهاجمك بالعناق والقبلات المقززة.
وثقيل الظل ان تعرفت عليه مرة وبشكل عابر ايضاً يتحول الى شخص تراه في كل الامكنة التي تذهب اليها ، ويكون عليك لحظتها ان تسأل نفسك ، انك قبل ان تتعرف عليه اين كان يخبىء نفسه في كل هذه الامكنة ؟؟
وثقيل الظل إن جلس في باص المؤسسة تراه يحاول جاهداً ان يأخذ اكبر مساحة من المقعد ، وتراه يتثاءب ويغط في النوم والشخير متجاهلاً جلوسك بجانبه ، الى الدرجة التي يسمح لنفسه به ان يضع رأسه الغافي على صدرك ، وحينما تحاول ان تنهضه قائلاً له: مادمت تحب النوم الى هذا الحد لمّ لم تدفع ثمن مقعد كامل ؟؟ تراه ينظر اليك باجفان ثقيلة ويبتسم ابتسامة ساخرة ومن ثم يعاود فعل النوم.
وثقيل الظل ان سبق وضمن جلسة نائية ان تحدثت فيها عن احدى المفارقات الحياتية التي عشتها ، تراه يطاردك في كل الجلسات وهو يذكرك بتلك المفارقة ، طالباً منك سردها ، ليحولك بسذاجته الى نمرة تؤدي هذه الفقرة في كل جلسة.
ثقيل الظل تراه في الاعراس وكأنه صاحب العرس ، وفي الجنازات وكأنه قريب المتوفى أو حتى المتوفى ذاته ، وفي الدعوات العامة وكأنه هو الداعي الاصيل لكل هذا الحضور.
ثقيل الظل وحينما تراه يتمدد كظاهرة اجتماعية على هذا النحو ، يجعلك تشعر بالأسى والحزن على فقدان شخصية مثل شخصية الجاحظ ، تلك الشخصية القادرة فعلاً على تقديم الوصفة الناجعة لمثل هذه الشخصية صاحبة الظل الثقيل.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور