واحة الديموقراطية اسرائيل والتي ظل العالم يتغنى بمستواها الديموقراطي والعلماني قياساً بما يحيط بها من دول عربية تعادي الديمقراطية ، بحسب ما هو شائع ، كانت امس الاول امام امتحان عسير ، وهي تقلب صفحات جواز السفر الامريكي التابع للمفكر الامريكي من أصل يهودي "افرام نعوم تشومسكي" القادم الى الاراضي العربية المحتلة عبر الحدود الاردنية ، بهدف القاء محاضرة عن السياسة الامريكية في جامعة بير زيت الفلسطينية.
المكانة الفكرية العالمية لمفكر مثل تشومسكي ، وصاحب نظرية "النحو التوليدي" ، والذي يعود اليه الفضل في تأسيس ما أصبح يعرف ب"تراتب تشومسكي ، وهي تصنيف للغات الشكلية حسب قدرتها التوليدية. اضافة الى علمه في اللغويات ، فتشومسكي معروف كناشط سياسي ، وبانتقاده للسياسة الخارجية للولايات المتحدة ، ويصف نفسه بأنه اشتراكي تحرري ، وكمتعاطف مع "التضامنية اللاسلطوية".
كل هذه المعطيات الحضارية لشخصية فكرية بهذا الحجم العالمي لم تمنع حرس الحدود الاسرائيلي من ايقاف الرجل فيما يشبه التحقيق لمدة خمس ساعات متصلة هو وابنته اضافة الى صديقين كانا بصحبتهما ، لينتهي الامر بادخال الصديقين الى اسرائيل ، والطلب من تشومسكي وابنته المغادرة وعدم دخولهما الاراضي الاسرائيلية.
والغريب ان المفكر نعوم تشومسكي كان قد زار اسرائيل في غير مرة دون أن يتعرض الى اي نوع من المنع ، لكن كونه هذه المرة جاء خصيصاً بدعوة من مؤسسة اكاديمية فلسطينية مثل جامعة بيرزيت فان الامر يختلف.
رجال الحدود في اسرائيل حينما استجوبوا نعوم تشومسكي لمدة خمس ساعات متواصلة ، نزعوا عنه درجته الفكرية والاكاديمية وتعاملوا معه كارهابي أو كمهرب ، وقاموا بمعاقبته على قرار اتخذه بالمشاركة الفكرية في مؤسسة اكاديمية فلسطينية.
ورجال الحدود في اسرائيل ضربوا بعرض الحائط فكرة التعامل مع رجل مفكر يحمل التابعية الامريكية ، تلك التابعية التي كانت وما زالت تدلل اسرائيل وتمنحها كل هذا الحق في الغطرسة الدولية وتجاوز كل الاعراف الدولية وكل خطوطها الحمراء.
ايقاف نعوم تشومسكي على الحدود الاسرائيلية والتعامل معه بكل هذا التقزيم لمكانته الفكرية والعالمية لم يأخذ مساحته التي يستحقها في الميديا العالمية ، ولم يأخذ مداه الفضائحي ، لكن لو قامت اي دولة عربية بمثل هذه الممارسة مع مفكر مثل تشومسكي لقامت قيامة "الحكّة" الديمقراطية في العالم. وتورمت الادانات.
اللعنة .. اننا في زمن "تأسرل" فيه كل شيء تماماً.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور