لم افطن لعمق الظاهرة وتفشيها اردنياً وعربياً الا حينما اوقفت سيارة التاكسي وطلبت من السائق أن يأخذني الى وسط البلد ، فالرجل وما أن جلست الى جانبه حتى بدأ ببث شكواه المهنية متحدثاً عن الركاب الذين يدفعون له ، دائما المبلغ الذي تقل قيمته عن رقم العداد ، بحجة عدم وجود الفكه.

وحينما أحس اني لم اتجاوب بشكل جيد مع شكواه ، اخذ يتحدث عن ظلم صاحب السيارة له قائلاً لي "تصور يااستاذ انه يأخذ مني كل يوم دينار كتأمين ، وليلة أمس أنكر انه قد سبق له وان اخذ مني اي قرش بهذا الخصوص" ، وصمت بانتظار ان اقدم له بعض الاقتراحات لحل مشكلته ، لكني جفلت فجأة من هذا الاسلوب الذي أخذ يعتمده "الشكاؤون" في مجتمعنا وهم يطالبونك وبشكل عاجل التدخل لحل مشكلاتهم المالية والحياتية.

وكان عليّ أن أستذكر ملامح هذه الظاهرة التي بدأت تنتشر في علاقاتنا الاجتماعية وكأنها هي الاساس ، أو هي الاصل الذي تنطلق منه كافة الحوارات التواصلية مع الآخرين.

فقد أصبح من العادي أن تصافح صديقك وقبل أن تسحب يدك من تلك المصافحة تراه يهاجم مساحتك الداخلية بالعديد من الشكاوى التي تخصه وحده ، ومع ذلك يطالبك بان تكون شريكاً لكل اوجاعه الحياتية.

وبعض الشكائين قطعوا شوطاً مهماً في ظاهرة الشكوى الى الدرجة التي يبدأ فيها الكلام معك قائلاً "لم يأتوا البارحة" وهنا المفارقة العجيبة ذلك انه يعتقد وضمن حمى الشكوى الدائمة عنده ، انه كان قد أخبرك بأن سيضطر هذا اليوم لاستقبال صهره واقارب صهره ، وحين تقول له"من هؤلاء الذين لم يـأتوا" تراه يستدرك ويعيد عليك سرد الشكوى كاملة هذه المرة.

والبعض الآخر يستعمل الشكوى الدائمة من أي شيء ، محاولاً ان يبثها في كل مجالسه ، وذلك كي يدرأ اي محاولة من قبل الآخرين للحصول منه على اي منفعة . فالشكوى هنا تشكل الواقي المهم لاستبعاد اي مطالبة. وهذا النوع من الشكائين يتعمد دائماً الشكوى من احواله المالية المتدنية ، ومن زحمة المصاريف.

وبعض الشكائين يحدثك عن متاعبه اليومية مع زوجته ، والآخر يحدثك عن متاعبه مع ابنائه ، وآخر يحدثك عن متاعبه مع الجيران ، لا بل البعض يذهب في بث شكواه للحديث عن الدوائر الحكومية التي تنهب جيبه بالفواتير.

لقد تحول الشكاؤون الى ظاهرة احتلالية في حياتنا الاجتماعية ، تنهب اذن المستمع بشكاويها المتتالية ، لا بل تحتلها ، وصار لزاماً علينا أن نحارب هؤلاء الذين يحتاجون دائماً الى سكرتاريا تهتم بشكواهم ، والعمل على تقزيم نهجهم سيما أن الاصعب اجتماعياً واقتصادياً قد بدأ يهل على العالم أجمع. وانه من المفجع ان تتورم مثل هذه الظاهرة اكثر من ذلك.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور