في الفترة التي أعقبت حرب حزيران عام 1967 وضمن الفراغ الوطني والكئيب الذي احدثته تلك النكسة ، كان المواطن العربي حينما يجالس صديقه ويشعر بأن الضجر الموجع قد بدأ يتسلل للجلسة الثنائية تلك ، كان هذا المواطن يلقي على اسماع صديقه السؤال المباغت والقادر على تجديد الجلسة ومنحها حقنة من الحيوية بقوله: فكرك بصير حرب؟".

ولأن الواقع السياسي العربي آنذاك كان مطلسماً ويكتظ بالافخاخ ، فقد كانت الاجابة على مثل هذا السؤال تثير الضحك والقهقهة.

لكن ومنذ حرب تشرين والحروب التي أعقبتها اختفى مثل هذا السؤال وخلع جلد عفويته وسخريته ، وصار سؤال الحرب القادمة يسد أفق الجهات الاربع لا في دول المواجهة بل في دول الشرق الاوسط أجمع. وباتت احتمالات الحرب قائمة في كل لحظة.

فايران صارت تجيد الرقص والمناورة السياسية والعسكرية على كل الحبال الاقليمية الموجودة في مجالها الحيوي ، وباتت تهدد بشكل جدي المصالح الغربية في دول الخليج ، كما باتت تهدد بجدية الكيان الصهيوني ، واذا كان الغرب وعلى رأسه امريكا قد يقبل بالمدى الذي تصنعه مثل هذه المناورات الايرانية فان الكيان الصهيوني ينظر الى مثل هذه التهديدات الايرانية لوجوده بجدية عالية المستوى ، الى الدرجة التي يمكن فيها لهذا الكيان بالقيام بمغامرة عسكرية ضد ايران وبمباركة غربية.

والجدية الاسرائلية في التعامل مع هكذا طارىء بدأت بالموافقة على مفواضات مباشرة مع السلطة الفلسطينية ، تلك المفاوضات التي اتخذت مثل هذا الاسم المطلسم كي تقوى على اتخاذ القرارت السرية التي ربما يكون ثمنها استحضار قوات دولية للضفة الغربية ولقطاع غزة كي يكون احتلال قطاع غزة من جديد يحدث بمباركة دولية ، واعادة ترتيب الاوراق من جديد.

وفي الجانب المعلن من الاستعداد للحرب مع سوريا وحزب الله وايران تبدأ القوات الاسرائيلية بتنفيذ مناورتها الجديدة التي تحمل اسم "نقطة تحول" والتي قامت على اساسها لوجستياً بالانتهاء من توزيع الكمامات الواقية على كافة المواطنين تحسباً من اندلاع حرب يتعرض فيها العمق الاسرائيلي لقصف من حزب الله أو سوريا أو ايران ، وعلى ان تعمل قيادة الجبهة الداخلية في الجيش الاسرائيلي تعمل على وضع خطة مفصلة لتنظيم عملية اخلاء واسعة للسكان المدنيين ، في حال نشبت حرب تتعرض فيها الجبهة الداخلية الى الصواريخ.

ضمن كل هذه المعطيات الآنية يمكن القول بأن الحرب قادمة لا محالة. لكن الغريب والمفزع ان المواطن العربي ماعاد يسأل عن تلك الحرب بسخريته اللاذعة ، والاغرب من هذا كله ان هذا المواطن المعرض للقصف الجماعي كعادته في كل حرب ولم يتسلم اي نوع من الواقيات ولم يتدرب على التفريغ السكاني ولعل السبب هو ذاك الاعتياد الموجع في ادخال المجازر والمذابح الجديدة الى تقاويمنا الخاسرة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور