سأتخلى عن غبائي المزمن هذا الصباح ، ولن اعطي رأسي لهذا الغباء الطافح من كل شيء ، وسأمد أصابعي نحو القلب وأستل الأصدقاء الواحد تلو الآخر والقي بهم على عارضة الطريق ، وسأمد يدي لأول شجرة رصيفية ، كي أمسك بأخضرها اليانع واشبك اصابعي بأغصانها ونسير في شوارع عمان ككائنين ، وسأترك لشارات المرور الحرية كي تضحك من الرجل الذي يقود شجرة بهذا الحنو.
سأمد عنقي واحشر رأسي بين تكاثف الاغصان وأبدأ باعفاء نفسي ككائن انساني من هذه الميزة الاستعلائية على الكائنات ، وسأبدأ بوشوشة الشجرة عن طلاسم وجودية تعذبني ، وستضحك الشجرة مني كثيراً وانا احدثها عن وقوفها الشامخ ابداً في مواجهة الفصول بهذه الوحدة الشجرية المدهشة ، مثلما سأضحك انا الآخر من خنوعها الأبدي في تبدلها الخانع للفصول.
سنهرول انا والشجرة نحو انحناءة الأرض وتقعرها في وسط المدينة ، وسنأخذ مجمل الروائح التي يكتظ فيها المكان ، رائحة الباعة ، ورائحة النساء العابرات اللواتي يعشقن التعرق في الاسواق ، ورائحة الجنون النائمة فوق اجساد صعاليك المدينة ومجانينها.
هذا الصباح سأتخلى عن مواظبتي في قراءة الصحف وتتبع اخبار الساسة واشكالياتهم التاريخية وعبثهم المزمن بالتاريخ الانساني ، وسأحاول ان اقتاد شارعاً من غرته الاسفلتية ، واهربه الى خارج المدينة نحو تلك الطرق النائية. وسيبدأ احتفالنا الأول مع هذا الشموخ الجبلي الذي يحتفل بالموسيقى التي تعزفها الرياح صبح مساء على سفوحه ، وسأمسك بالأفق الذي يلونه الوقت اليومي بشتى الألوان القزحية كي افح في اطيافه المتبدلة رغبة التوقف قليلاً عن هذا التمدد في المساحة المتاحة دائماً للأفق.
وفي طريقي للاشتباك مع الافق سوف امد اصابعي نحو اشعة الشمس ادغدغها قليلاً واغني في اذنها بعض اغنياتي الضوئية التي تمجد الحياة ، وسأمجد حضور الشمس بكل هذا الحنو الأبدي.
وعلى طريقة الاطفال في انتظار اول ايام العيد ، سوف ابدأ بالاستعداد لاستقبال الظلمة الجبلية الخالية من الحضور الغبي للضوء الكهربائي ، كي ابدأ بعدها بالنظر الى القبة السماوية الليلية والى تلك الاضاءات المزدهية التي تشكلها النجوم في السماء كثريا سماوية نادرة ، وسأستلقي ارضاً وانا احدق بالسماء واستمع لأصوات وحوش ضارية تطلقها مثقلة بالوحدة الليلية كأنين ابدي.
هذا الصباح سأعتذر عن كل تحضري المقترح وأبدأ بتصفح بريتي كأنني خلقت للتو،،.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور