تبدو الأرض وهي تعيش تجلياتها الجيولوجية هذه الأيام ، وكأنها ليست لها علاقة بمجمل الحماقات البشرية التي يفتعلها الانسان فوقها. فكوكبنا الأرضي ليس له علاقة لا من قريب ولا من بعيد بهذا التوحش الأرضي الذي تمارسه الدول فوق سطح الأرض صبح مساء ، والأرض ليست لها علاقة بحماقة المناورات العسكرية التي تجرّح سطحها بالمدمرات والقنابل. والأرض ليست لها علاقة بالاحتلالات واقتلاع الشعوب من ارضهم. والأرض ليس لها علاقة بالرتب والنياشين التي يحصل عليها الجنرالات ، وهي ليست لها علاقة بكل تجاربنا الذرية ، ومفاعلاتنا الذرية ونفاياتنا الذرية التي نحشوها بسرية في باطن ارضنا.

كوكبنا الأرضي يعيش وحدته الجيولوجية بمنأى عن البشر والدول التي تعتقد ان الخرائط السياسية والحروب المقترحة دائماً قادرة على التحكم بجيولوجية الأرض وبتثاؤباتها المفاجئة.

وقد كان مشهد الرئيس الامريكي أوباما يوم امس الأول فكاهياً ، وهو يتنقل بقامته البشرية وهو يوزع الأوامر في جولته في منطقة ولاية لويزيانا الأمريكية بهدف السيطرة على البئر التي بدأت بتسريب النفط من فوهتها ، بعد انفجار على متن منصة التنقيب "ديبووتر هواريزون" فوق البئر ، على عمق كيلو ونصف الكيلو في قاع البحر.

الخبراء تعاملوا مع الفوهة التي تهرب النفط بكافة الطرق العلمية وربما البدائية لسد فوهة البئر التي تسرب هذا النفط ، لكنهم فشلوا تماما وظل النفط يتدفق في مياه خليج المكسيك مهددا ثروة سمكية تقدر بالمليارات في تلك المنطقة.

في كل مرة تتثاءب فيها أُمنا الارض جيولوجياً تعود البشرية جمعاء الى ذعرها الفطري الأول في الخوف من الطبيعة ، والرغبة في الاحتماء بشجر الغابة من جديد. حدث هذا حينما غزا زلزال تسونامي السواحل الاندنوسية وهو يقتلع المدن والمرافق السياحية من جذورها ، وحدث هذا حينما اقتلع اعصار كاترينا البيوت على طريقة افلام والت ديزني. وكانت المرة الأخيرة التي مازالت طازجة حين انفجر بركان ايسلندا ليعطل برماد ذراته البركانية سماء قارة كاملة ويعطل رحلات طيران كان لها الأثر التدميري على حياة الناس.

ان هذا الفصام الذي تعيشه الدولة البشرية المعاصرة في علاقتها مع التغيرات الجيولوجية للأرض بهذه القطيعة المفجعة سوف يكلفنا دفع فواتير ستكون تكلفتها البشرية باهظة.

وان هذا التطنيش البشري الدائم للأرض والاكتفاء بالعلاقة السطحية مع قشرتها ، واهمها تجلياتها الجيولوجية العميقة ، لا بد وأن ندفع ثمنه بالتخلي عن كل هذه الحضارة الكاذبة ، والعودة الى الكهف الأول حيث الذعر البشري يتشكل بصورته الأولى.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور