لم تعد تلك اليد النحيلة الممدودة في فراغ الرصيف طالبة الصدقة المصحوبة بالدعاء هي المشهد الوحيد الذي يعبر عن شخصية الشحاذ ، أو المتسول ، بل صار التسول يأخذ في اشكاله المتطورة والجديدة العديد من الاشكال ، التي تتبع في مظاهرها شكل النصب والاحتيال. فنحن هذه الايام بتنا نشاهد مايمكن تسميته بالتسول المقنع الذي يشبه في اشكاله الاحتيالية البطالة المقنعة.

وقد صار من الطبيعي وانت تقف بسيارتك امام شارة المرور بلونها الاحمر ، ان ترى الشاب الضخم المكتظ جسده بالعافية وهو يتقدم منك عارضاً عليك بجدية لا تتناسب مع صفاقة البضاعة التي يعرضها عليك ، طالباً منك ان تشتري منه حبة "علكة" ، ولان الامر لا يتناسب مع اي جدية يمكن ان تمارسها ازاء هكذا موقف ، فانك تتناول حبة العلكة وتدفع له عشرة قروش او ربع دينار.

وربما تجد عند الاشارة ذاتها طفلاً لم يتجاوز عمره العشر سنوات بعد ، يتقدم من زجاج سيارتك الامامي حاملاً خرقة ، ويبدأ دون استشارتك بمسح الواجهة الامامية لزجاج سيارتك ، ولأنه يكون في هذه الحالة قد بدا بامتحان شهامتك ، تمد يدك الى جيبك لتعطيه مبلغاً من المال.

والامر لم يعد يتوقف عند هذا الحد بل انتقلت عدواه الى بعض من سائقي التاكسي ، حيث ما ان تجاوره في الجلوس حتى يبدأ في شرح مطول عن ابنه الذي تركه في المستشفى بين الحياة والموت ، وانه خرج منذ فجر هذا اليوم كي يجمع مبلغ المائة دينار لانقاذ ابنه المحتجز بالمستشفى.

وقد اوقفت انا شخصياً قبل ايام سيارة تاكسي ، وما ان جاورت السائق ، حتى قال لي بصوت فيه من التقوى والخشوع ما يُذيب القلب قائلا لي"بأن صاحب التاكسي سيأخذ منه هذه التاكسي بعد اسبوع بسبب انه يطالبه بدفع مبلغ قيمته "200" دينار ، وهذا يعني ان عائلته ستجوع حتما" وتابع"اذا استطعت يا استاذ تدبير هذا المبلغ لي فاليشهد الله علي اني سأسدده لك مع الاخذ بعين الاعتبار بأني سأتكفل بتوصيلك يومياً الى اي مكان تريد مجاناً".

وانت حينما تسير في مكان مزدحم كمنطقة وسط البلد ، تجد وعلى حين غرة امرأة محجبة وبكامل عافيتها الانثوية والبيتية تتقدم منك بشكل هجومي لتوقفك وهي تقول "السلام عليك يا اخي ، انا سرقت محفظة نقودي قبل قليل وانا بحاجة الى خمسة دنانير كي أعود الى بيتي" وهنا تكون رجولتك في امتحان حقيقي امام هذه الانثى التي تتوسل اليك.

الى هذا الحد وصل التفنن عند البعض في تطوير مهنة التوسل ، والى هذا الحد بتنا نسمع الشتائم وهي تلاحقنا حين نعتذر عن تقديم الصدقة لهؤلاء المحتالين الجدد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور