الفتى الذي قذفه الفقر العائلي المبكر الى ازدحام مجمع الباصات ، والذي ترك المدرسة في وقت مبكر ، اعتبر أن هذا المجمع هو بيته الكبير ، واعتبر أن انخراطه مع صبية السوق وزعرنتهم المشاغبة والجميلة ، ومحاولة تعلم فن المشاجرات السوقية بحمل الشفرات الجاهزة للانطلاق من فمه في اي لحظة قد يتعرض فيها لاعتداء ، هي التي ستتوجه سيداً في المجمع.
والفتى الذي ظل يجاور باصات المجمع ويحتك بسواقين المايكرو باص ، استطاع ان يبنى علاقات استرضائية مع هؤلاء السواقين ، الى الدرجة التي استطاع فيها ان يقنع احد السائقين بقبوله كعامل كونترول على الباص .
الفتى الذي يكشف عن ذراعين موشمتين ، وعن صدر وعنق يعلق فيه سلسلة فضية ساذجة ، وعن صدغ تعرض الى ضربة غادرة من شفرة احد صعاليك المجمع ، تحول في ذهابه ومجيئه في استطالة الباص الى سيد ينهر الركاب بصوته السوقي ، على اعتبار ان مكانه في الباص هو الثابت بينما مكان الركاب يظل يتبدل مع كل حمولة جديدة ، وهو ما يجعله ايضاً يضع في مكان خاص مجموعة اشرطة غنائية ، من تلك الاغاني الرديئة والفضائحية التي تجرح صيوان الاذن بسذاجتها الطاغية ، وطبعاً الويل كل الويل لاي راكب يحاول أن يعترض على هذا المستوى الهابط من هذه الاشرطة ، او يحاول ان يقترح تخفيض الصوت قليلاً.
الفتى وبسبب هيمنته السوقية على الركاب وعلى سائق الباص ، وعلى مجمع الباصات عموماً تولدت عنده الرغبة في ان يصير سائقاً ، ولهذا بدأ بالتعلم على الباص في وقت الفراغ. والفتى أخذ يجمع النقود كي يتعلم فن السواقة على ايدي مدربين ، . سنوات قليلة بعدها استطاع الفتى الحصول على رخصة سواقة المايكرو باص.
الفتى الصعلوك الازعر جنينياً صار يقود الحافلة ويمارس كل اوضاعه التربوية الخطرة على الطريق وعلى الركاب.
الفتى هو من ايقظ كل هذه التصورات عنه وانا أقرأ خبرا اول امس عن حادث لحافلة مخلفاً العديد من الضحايا والجرحى.
بقي ان نسأل ان كانت دائرة السير وهي تمنح ترخيصا لواحد من هؤلاء ، ان كانت اخذت خلفيته التربوية بعين الاعتبار ام لا؟
سؤال؟؟.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور