بعض الرجال حين يأخذهم الموت المباغت ، تشعر انك فقدت اباً أو شقيقاً ، أو أعز الاصدقاء. أو انهم أخذوا بموتهم ذاكرة تخص مدينة ، أو شارعاً عريقاً ، أو حياً من الأحياء التي تكتظ بتلك الطيبة النادرة للبسطاء ، وأنهم بموتهم تركوا فراغاً عاطفياً وانسانياً يصعب تعويضه.

والراحل المرحوم والاستاذ محمود الكايد هو واحد من هؤلاء. وأنا على قلة معرفتي به ، أعترف بأني وحينما صافحته أشعرني بأنه يمكن للاردني الاصيل أن يشعرك وهو يصافحك بأنه يمنحك دمه العروبي الحار الذي هو بالضرورة اكبر من مساحة منصب ، أو مساحة بيت او حي او مدينة ، وانه يختصر بملامسته البسيطة في المصافحة علاقة عروبية كاملة الدسم. مانحاً اياك مساحة نادرة من الأمان. وهو يشعرك بأن كل الاشياء صغيرة وتافهة والمهم دائماً هو الانسان وطاقته الخلاقة في ابداع الحياة.

والراحل محمود الكايد حين يجالسك فانه يمنحك كامل اذنه في الاستماع وهو يدعوك الى التمادي في تقديم طلباتك ، لانه لن يرد اليك طلباً ، لانه يشعر ان كل شيء ممكن ان يقدم ويعطى.

وأذكر حينما عدت من الامارات ان الصحفيين وخصوصاً في الزميلة الرأي كانوا يتذكرون له العديد من المواقف النادرة في دعم كل من يطرق باب مكتبه. وكانت نطق عبارة "ابو عزمي" في ردهات الزميلة الرأي ومكاتبها نعني انك تردد كلمة الرأي كصحيفة.

نعم كانت قامة ابو عزمي المهنية والمعنوية بحجم مؤسسة. ذلك ببساطة لانه أكبر من كل الترهات التي تعتقل صاحبها حينما يقع في فخ المنصب.

وفي لقاء عابر كان قد دعانا اليه حينما كان وزيراً للثقافة جلس بيننا في احد مطاعم عمان ، أنا وبقية اعضاء الهيئة الادارية لرابطة الكتاب الاردنيين بنوع من التواضع النادر ، وهويرسل صوته الأبوي في الحديث ، تاركاً سيجارته تختلط بايقاع صوته الأجش ، وهو يرحب بنا طالباً منّا أن نطلب منه مانريد لدعم الثقافة في رابطة الكتاب مادياً ومعنوياً.

بعض الرجال وان لم تتعرف عليهم بشكل عميق ، يشعرونك بالاسف لأن الزمن ماعاد يمكن له أن يعطيك مثل هذه المساحة بطازجيتها الاولى ، وبناء علاقة معهم من جديد.

بعض الرجال حينما يسرقهم الموت يتوجون مكان ولادتهم الاول كراية تظل تؤكد على تلك الاطلالة البهية للرجال.

ومحمود الكايد واحد من هؤلاء الرجال. له الرحمة ، ولكل محبيه الصبر والسلوان.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور