البعض منّا يقضي جلّ عمره كي يحصل على لقب سعادة أو عطوفة ، وحينما تحدث التسمية ويرفل الجسد السمين بنعمة اللقب ، والهيلمان الاجتماعي الذي يرافق مثل هذه الكنى ، تتحول الكنية التي صار ينادى بها صاحبنا الى صفة ابدية تبدو وكأنها ولدت معه ، ويبدأ بالعمل على تعميق غربته في التعامل مع اسمه المجرد ، لا بل يبدأ العمل على ازاحة هذا الاسم المجرد واحلال اللقب الجديد بكل سماكاته الاجتماعية كي يقتل هذا الاسم. ويصل الأمر بهذا البعض بأن يصاب بالدهشة حين يسمع اسمه ينطق مجرداً من اللقب في المحال والاسواق بحكم تشابه الاسماء.
والبعض منّا يُجيش كل رزق العائلة التي تكد ليل نهار كي يدرس الهندسة ، وتبدأ العائلة المصابة بحكة الالقاب بالمنادة على ابنهم الذي مازال في سنته الجامعية الاولى ، باعتباره "الباش مهندس" ويتم الاتفاق العائلي على هذا الاسم الجديد المقترح ، عن طريق محو الاسم الاصيل وطمسه تماماً ليتحول الى اضافة ناعمة للقبه الجديد.
والغريب أن صاحبنا هذا يبدأ بتعويد أذنه على هذا اللقب الجديد ، الى الدرجة التي وحينما يغامر أحد اصدقائه بنطق اسمه مجرداً من الكنية ، يصاب بالذعر وبالاحساس العارم بالمهانة.
وبالأمس كنت أراجع في احدى العيادات الطبية التابعة لاحد المستشفيات الخاصة ، ولفت انتباهي ذاك السكون التي تتمتع به العيادة ، التي تكاد تسمع صوت تنفسك فيها ، ونظرت الى غرفة مغلقة بصرامة موجعة ، وسألت عن صاحبها فقالوا لي بأنها غرفة الطبيب ، وحينما طلبت منهم مشاهدة الطبيب ، أجفل الجميع وكأني أطالب بالمستحيل ، ولحظتها قلت وعلى الطريقة "الاربدية" التي توقظ عندي عادة الاستعداد لاشعال الشجار:"انا هنا لست متسولاً ، هذا مستشفى خاص ، وأنا هنا أتعالج بنقودي".
هذا الانفعال الصوتي الذي قمت به أربك المكان وجعل الممرض يركض نحو غرفة الدكتور ، ويغيب قليلاً ومن ثم يعود فاردًا يديه وهو يقول:"تفضل ياستاذ".
وحينما دخلت غرفة الطبيب وجدته جالساً بفوقية معلنة على مقعده الوفير ، الى الدرجة التي يصعب فيه أن تميز ارتخاء تلاصق جسده من المقعد. وحينما بدأ يرد على اسئلتي كان يزداد شموخاً فوق مقعده ، وينطق عباراته العلاجية باهمال متعمد لي ، ولوقفتي امامه كمراجع.
ولا أدري لماذا قاطعته على نحو مباغت وأنا اسأله عن اسمه ، فقال وكأنه يشتم رائحة كريهة من السؤال "دكتور عبد الرحيم".
لكني أدري تماماً كيف صرخت بملء حنجرتي في المكان بالاسم المجرد للطبيب وانا أقول "يا...عب..د ..الر..حييييييييييم ".
ولعلها كانت المرة الاولى التي يتجرد فيها عبد الرحيم من لقبه المزمن والمقترح.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور