مازلت اذكر مشهد الرجل وهو يدخل علينا مكتب جريدة الخليج في "ابو ظبي" ، طالباً لقاء مدير المكتب وكان يومها مدير المكتب الصحفي اللبناني المخضرم عزت صافي ، وكان عليّ ان اخبره أن الاستاذ عزت صافي مدير المكتب في اجازة ، وعرضت عليه خدماتي.

الرجل احس بخسارة المشهد أو السيناريو الذي كان قد رسمه ليحدد مطالبه ، لكنه جلس بجانبي وقال متوسلاً: أرجوكم في جريدة الخليج أن تكفوا عن نشر المقالات لزوجتي. وكان عليّ أن اسأله عن اسم زوجته ، وقد ذكر لي اسمها ، وحينها فكرت بأن اسم هذه المرأة ينشر في بريد القراء بشكل شبه يومي. فقلت له ولكنها تنشر مقالتها في بريد القراء واعتقد ان مثل هذه المقالات يجب أن لا تضيرك.

وهنا اجفل الرجل ونهض من مقعده وكأنه اصيب بمس من الجنون وهو يقول: "أنتم لا تعرفون الكارثة التي اوقعتموني بها حينما بدأتم تنشرون لها مقالاتها" وتابع "المرأة لم تعد تعاملني كزوج بل كخادم مطيع لطلباتها ، وقد بدأت تتأفف مني ومن باقي افراد العائلة حين نطلب منها أي طلب ، انها تعاملنا كنجمة مشهورة في كتابة المقالات ، الى الدرجة التي باتت تعتقد ان وجودها بيننا هو من سوء حظها العاثر. واضاف الرجل وهو يحافظ على مستوى نبرة الصوت والانفعال: "جريدتكم يا استاذ خربت بيتي وافقدتني أم اولادي ، جريدتكم التي تنشر لزوجتي المقالات بشكل يومي جعلت زوجتي تعيش شطحاتها الخاصة في البيت كمؤلفة وككاتبة ، وأزيدك من الشعر بيتًا.. زوجتي ومنذ مقالها الأول الذي نشر عندكم وهي تتعامل مع الجيران بطبيعة متكبرة لا تخلو من التعالي "الى الدرجة التي قرفها الجيران وما عادوا يطرقوا بوابة شقتنا".

توقف الرجل ونظر اليّ وقال هذه المرة بصوت لا يخلو من التوسل: "أرجوك يا أستاذ ابحث معي عن طريقة تقللون فيها من نشر مقالاتها... ارجوك ..ارجوك يا استاذ" ، وكان عليّ لحظتها ان اربت بيدي على ظهره واعداً اياه أن اعمل على تقليص نشر مقالاتها.

الرجل خرج وهو يدعو لي ، وكان عليّ بعد ذلك ان اتابع مقالاتها التي اكتشفت انها مجموعة من الحكم والأقوال المأثورة وتقوم هي بربط هذا المقولات ببعضها بحيث تبدو وكأنها هي التي كتبت كل هذا. وكان عليّ ان اتصل بمسؤول صفحة بريد القراء ووضعه في صلب المشكلة والتداعيات الإجرامية التي تتركها مقالات هذه السيدة حينما تنشر.

أيام مرت وبدأ اسم تلك الزوجة يختفي وبشكل تدريجي عن الصفحة.

فكثيراً ، وفي لحظات ضجري الكوني ، ما أسأل نفسي عن تلك الكاتبة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور