كان لنشرة الأخبار الإذاعية طعمها المختلف ، وايقاعها الرصين في أذن المستمع.

انا اتحدث عن نشرات الأخبار في ستينيات وسبعينيات القرن الفائت. حيث كانت النشرة الإخبارية تعكس وبشكل كامل طابع وسياسة الدولة ، الى الدرجة التي تكون فيها موسيقى نشرة الأخبار ثابتة وليست متغيرة ، لا بل تكاد تكون مثل موسيقى النشيد الوطني.

وفي نشرات الأخبار التي كانت سائدة آنذاك كان التراشق الشتائمي بين معظم الاذاعات العربية يجعل المستمع يشعر بالسعادة واشباع الفضول وهو يستفيد من المعلومات الفضائحية التي تبثها هذه الاذاعة أو تلك في بطن الخبر.

وفي ذاك الزمن كان الاستماع لنشرة الأخبار بالنسبة للشباب البالغين دليل اقتراب من الرجولة ، ودليل انفتاح عقلي عند الفتى في اهتماماته الجديدة لمعرفة الأخبار ، وكان التدرج العمري في الاستماع الى نشرة الأخبار له وضعه ايضاً. فرب العائلة الذي يظل يتحاشى طوال النهار طلب جهاز الراديو كي ينفرد وحده بسماع نشرة الأخبار.

وفي الاحياء كان لنشرة الاخبار وقعها المختلف ، حيث درجت العادة ان يتجمّع رجال الحارة عند البقال المزمن في الحارة ، وذلك بهدف الاستماع الى نشرة الأخبار. وقد كان الاتفاق يتم على الاستماع الجماعي لاذاعة لندن حيث الاخبار التي تتسم بالجدة والموضوعية ، ولم يكن الناس يعون المضمون الملغم لتلك النشرة الإخبارية في توجيه المستمع والسيطرة عليه.

وقد كانت نشرة الأخبار هذه وبعد الانتهاء من سماع دقات ساعة بيج بن تثير نقاشات سياسية حادة بين الجالسين يعبرون فيها عن احلامهم في الانتصار وربح المعركة المزمنة مع اسرائيل.

وكانت نشرة الأخبار تقدم بصوت مذيع يمتلك في ايقاع صوته تلك السماكة والحشرجة الوقورة التي تجعله يهيمن على أذن المستمع.

واحياناً كان ينقلب الوقت الإذاعي العربي الى نشرة اخبار متواصلة لا تنقطع تتخللها الأناشيد الوطنية المحرضة. كان هذا يحدث على الاغلب لحظة القاء البيان الأول للثورة التي حاصرت الإذاعة بالدبابات واستولت عليها لتبث بيانها الثوري الأول. أو حين تشتعل الحرب.

وكان يتبع نشرة الأخبار الرئيسة في كل يوم التعليق السياسي الذي كان يكتب بعناية خاصة وموجهة. وخصوصاً ذاك التعليق السياسي الذي كان يطلقه المذيع المصري احمد سعيد من إذاعة صوت العرب في القاهرة.

انا اتذكر نشرات الأخبار ومدى استجابة الناس آنذاك للاذاعة ، واتطلع حولي الى كل هذا التغول الإخباري السائد حالياً وارسم على ملامحي دهشة الاختلاف وعدم التشابه وابتسم،،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور