وحدك وبكامل قامتك الجبلية وبذاك الحس الذي يظل يتربص مشهدية الحياة الجارحة ، وحدك تشق عباب عمرك البارد هذا والبلاستيكي الطعم. وحدك تنهض من فراشك السيزيفي المثقل بالاحلام والكوابيس الساذجة وأنت حاول أن تضحك على طعم قهوتك وتبغك الصباحي ، كي تقنع يدك المرتعشة الفرحة بتسرب اشعة الصباح ، بأن الحياة مازالت قابلة للعناق والاحتمال.

وحدك في عتمتك الروحية المختنقة داخل سياجها اللحمي الذي هو أنت تدافع عن هذا الفلاح البسيط في اعماقك مستبسلاً ضد كل هذا الدجل العصري السائد حولك ، قابضاً على جمر البراءة هذا الذي اكتوى به قلبك محاولاً ان تصدق ان الامور مازالت على مايرام.

وحدك تحرس صباحات عمان وانت تستقبل تلك الارتجافة الرائعة في رف أجنحة الطيور التي تحلق فوق رأسك تماماً وكأنها تمنحك زوادة الحياة القادرة على تجاوز كل الحماقات التي باتت تتوالى على روحك. وحدك تعتلي صهوة الارصفة وانت تسمي الاشجار القائمة في حفر صغيرة ، وانيقة ، وتحاول ان تتهجى طعمها وتقرص ورقها. وحدك من يتطلع الى الواجهات ذات الحجر المكّحل ، والشرفات التي تضج بالفراغ العائلي الموجع ، وحدك تسمع دوي هذا الفراغ ووحدك من يقرأ كل هذا الصمم في النوافذ ، وانت تحلم باطلالة امرأة من فراغ البيت المدجج بالضجر.

وحدك وانت تشد رحال قدميك راجلاً الى وسط البلد تفعل هذا كي تعفي نفسك من الالتماعة الموجعة للمحال المتلاصقة داخل "المولات" ، والى تلك الحيادية المعدنية الباردة التي يتحلى بها السلم الكهربائي التي يتوسط" المول" كأفعى عصرية وهجينة.

وحدك تذهب الى الاسواق العتيقة في وسط البلد كي تشتم رائحة المكان وتلمس بأصابعك طعم الاحجار العتيقة التي صقلتها الملامسات الى هذا الحد. وحدك تذهب الى الناس هناك كي تشتم رائحة غابت عن أنفك طويلاً. تدهشك الروائح المختلطة في سوق الخضار ، وتأسرك رائحة تلك المواد المعقمة لمحال الملابس المستعملة ، وتصطادك روائح أطعمة السوق على تنوعها واختلاط البهارات فيها.

وحدك وبكامل عافيتك المبدعة تحاول وفي كل يوم أن تعيد للفلاح البسيط في أعماقك عافية اقباله على الحياة ، وعلى قدرته المدججة بالتفاؤل والقدرة على جر حياة عصرية كاملة من ياقتها المزورّة وجرها خلفك على اسفلت الشارع ، كطريدة اصطادها للتو جدنا الاول وساقها الى كهفه.

وحدك من يحتفل في نهاية كل يوم بانتصاره على كل السواد الذي يحيط بك كي يظلل على روحك بقتامته الموجعة. وانت تهتف: وحدك من يحب الحياة ووحدك من يستحق الحياة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور