كان صديقي يدهشني في مسلكياته الاقتصادية ، وفي تعامله مع متطلبات الحياة ، وفي فن الخبرة في التعامل مع فكرة ادخار القرش الأبيض لليوم الأسود القادم من اللاتوقع.
فحين اراد ان يتزوج ذهب الى دولة عربية ، واختار زوجة استطاع من خلال فرق العملة ان يوفر على نفسه العديد من تكاليف الزواج وحماقة الاحتفالات المبالغ فيها ، واستطاع بمبلغ زهيد أن يتحول الى زوج يمارس شخصية سي السيد بأرخص الاثمان.
وحين أراد ان يؤثث بيته استأجر بيتاً وتحول الى راصد يومي لجميع عروض بيع الاثاث المستعمل ، وأخذ يشتري اثاث بيته قطعة قطعة وبأرخص الاثمان ، وخلال سنة كاملة اكتظ بيته بقطع الاثاث التي تفتقر الى التناسب ولكنها في النهاية تلبي احتياجاته الخدمية من الأثاث.
وقد هالني ذات مرة ، حين كنت عنده في البيت وطلبت منه ان نشاهد نشرة الاخبار ، ان تلفزيونه بحجمه الكبير والمبالغ فيه كتحفة يبث بالأبيض والأسود. وحين سألته ان كان هذا يعقل في زمن اصبحت فيه كل شاشات التلفاز ملونة ، انفجر في وجهي قائلاً: الا تريد مشاهدة الصورة ، هذه هي الصورة امامك بأي لون المهم الصورة فلماذا الاصرار على ان تكون ملونة ، ونحن بعظمة الخالق نرى كل الاشياء باعيننا وهي ملونة".
وقد كان صديقي يقتر على نفسه في الأطعمة طوال الأسبوع ، وكان هذا يخلف في ملامحه بعض الكدر ، لكن في يوم الخميس كانت تنفرد اساريره ليلاً ، وحينما كنت اسأله عن سبب كل هذه البهجة ، كان يقول بفرح نادر: "اليوم يا ابو الخل موعدي مع الدجاجة المحشوة بالرز والمكسرات" ، وكان قد قال لي بأنه يعيش نباتياً طوال ايام الاسبوع لكنه في كل خميس يأكل هذا الطعام المميز.
وحينما حصل صديقي عى رخصة قيادة السيارة ، أخذ يتفنن في البحث عن شراء سيارة بأبخس الاثمان ، وحين اشترى سيارة بمبلغ زهيد جداً ، قال لي: "المهم في السيارة هو قدرتها على السير في الطرقات وليس الفخفخة والرفاهية ، والمهم ان اقضي بها جميع مشاويري" ، وحين كانت تتعطل تماماً كا يركنها في شارع ويخلع عنها ارقامها ويبدأ بالبحث عن اخرى.
أحيانا وانا افكر في الازمة الاقتصادية التي تجتاح العالم وتكاد تدمر قواه ، أو حين افكر في دول العالم الثالث التي مازالت بانتظارحدوث الهزة الارتدادية لما فعلته الهزة المالية العالمية في الأسواق. أقول كثيراً ما افكر في صديقي ورؤاه الاقتصادية التي لو تم تطبيقها كمنهج حياة: لتم بالتأكيد انقاذنا من الشح الاقتصادي الذي بات يتربص بنا ليلَ نهار.
انها حكمة صديقي التي بتنا نحتاج اليها جميعاً.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور