إننا نعيش في زمن الثقافة المرتبكة والمرتجفة ، زمن الثقافة الفاقدة أساسيات البناء الواثق من أساساته ، ومن صلابة تشييده ، البناء الذي تعصف بقامته الكرتونية كل الانقلابات التصنيعية والتكنولوجية الجديدة ، التي خلخلت كل الأطر الثابتة للثقافة ، وجعلتها تقيم في المتغير الدائم.

نعم ، إننا نعيش في زمن وقع فيه مثقف دول العالم الثالث في أخطبوطية المتغيرات الدولية ، التي وضعت السلطة ومثقفها في مرمى هدف واحد ، بحيث لم تعد السلطة تبحث عن استقطاب المثقف وإرضاء رغباته التي تهوّن عليه سبل العيش ، بل تحول المثقف ، وسط كل هذه الأزمات المالية الدولية ، إضافة إلى الأزمات الدولية ، التي باتت تهدد الجغرافيا السياسية ، وتعديل الخرائط من جديد ، إلى عبء حقيقي جعلت السلطة تبدأ بتنصلها من أعطيات كثيرة حصل عليها مثقف دول العالم الثالث ، من مطلع ثمانينيات القرن الفائت ، وحتى مطلع الفيتنا الطازجة هذه. فبدا المثقف كأنه في صحراء قطبية باردة يبحث فيها عما يسد رمق العيش عنده.

والكاتب الذي ظل فترة زمنية طويلة ، وهو يقيم في برجه العاجي والنخبوي ، بدأ مكانه بالاهتزار والارتباك حد التصدع ، وحد سماع دوي سقوطه من هذا البرج.

ذلك أنّ ثورة الصورة ، بكل معطياتها ، التكنولوجية المتقدمة ، استطاعت أن تُنهض القارىء من سباته الدهري ، لتجلسه أمام كاتبه عن طريق التواصل في مساحةالمواقع الإلكترونية ، ذاك التواصل الذي صار يبيح للقارئ أن يفتح بوابات مدوناته الخاصة كي يحاور من خلالها الكاتب الذي يريد ، لا بل ويقترح عليه شغبه الكتابي الخاص ، إلى الدرجة التي بات فيها الكاتب يتحسس رأسه ، من هذا الاقتحام لخلوته الكتابية ، التي كانت تبدو كأنها خلوة مقدسة.

وبهذا ، لم تعد الكتابة منطقة محرّمة ، بل صارت منطقة متاحة للجميع ، وصار من السهل أن يتحول القارئ ، داخل مدونته ، من قارئ إلى كاتب يتلقى التعليقات والإشادة اليومية ، وهنا يحضرني مثال الفتاة العراقية التي فازت بما كانت تكتبه عن يوميات الاحتلال والقتل في العراق بجائزة إبداعية اعتبرت يومياتها بمثابة رواية واقعية نجيبة وصادقة وتستحق التقدير.

والمشكلة الحقيقية ، فعلاً ، تكمن في أن الكاتب ، في دول العالم الثالث ، ما زال يتمسك بالوسائل القديمة ، التي كانت تبرر وجوده ، متناسياً ضرورة البدء بتشييد ثقافة قادرة على التوازي مع المتغيرات التي طرأت على الكتابة ، منذ بدأت ثورة الصورة ، بتسديد ضرباتها الموجعة في بطن الكتابة.

إن الآماد التي انفتحت عليها ثورة الصورة ، وتفشي المواقع الإلكترونية ، إلى هذا الحد ، تجعلنا في حاجة إلى منظرين في المعرفة الإنسانية ، يمتلكون القدرة على استجلاء كنه المرحلة القادمة ، أو المرحلة التي نعيشها.

إن القطاف الذي نُقبل عليه ـ إن استمرت حالة التعمية والتنصل من ايقاع المتغيرات الجديدة في أطر تواصل الثقافة ـ لا بد أن يكون موجعاً حد العماء والارتباك. وهذا ما لا نريده ، لا لكاتبنا ولا لقارئه.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور