النارجيلة أو الشيشة أو النفس المعسل كلها أصبحت من الضروريات الملحة لجيل اليوم. وانا على الصعيد الشخصي عشت في زمن النارجيلة التي كانت تنتصب بوقار في المقاهي العريقة ، حين كان يدخل الرجل ويتخذ مقعده برصانة عجيبة وهو يطلب من صبي المقهى ان يعتني له بنفس التوباكو ويجهز له النار المناسبة.
نعم كان للنارجيلة موقعها المحترم في المقاهي والبيوت ، وكان الرجل الذي يدخن النارجيلة يتعامل مع الآخرين باعتباره يمتلك ذاك المزاج المترفع والمختلف ايضاً. وكان الرجل يتفنن في هذا المزاج حين يرتب النارجيلة وجمرها والمقعد وامتداد البربيش ، ومحاولة ان يكون توقيت أخذ نفس التوباكو مع الوقت المسائي التي تغني ام كلثوم وصلتها الغنائية اليومية التي تبثها الاذاعة.
ومن يتابع الحضور الكثيف للنارجيلة هذه الايام في مقاهينا سوف يدهش من هذا الاقبال على الشيشة بانواعها المختلفة ، فهناك عدة نكهات صارت تختلط بالتوباكو فتحوله الى طعم التفاح أو الى طعم النعناع.
والاقبال لم يعد ذكورياً على النارجيلة بل تعدى الامر ذلك الى الجنس الناعم ، وصار من العادي جداً في مجتمعات متحفظة أن تدخل المقهى العصري صبية وتطلب لها نفس نارجيلة ، وصارت مقاهي "الكوفي شوب" منتشرة في العواصم العربية كالفطر ، ثم اخذت هذه المقاهي تتبارى في انتاج الديكورات المختلفة والمتميزة ، وانتاج الشرفات المطلة على الشوارع ، وصار تقديم الخدمات النارجيلية التي يُطّعم احيانا بخدمة يقدمنها فتيات جميلات من كافة الجنسيات ويرافق ذلك عزف للموسيقى.
وصارت النارجيلة صديقة حميمة لجيل كامل من الشباب والصبايا وصار البعض منهم يحتفظ بها في الصندوق الخلفي لسيارته ، وصار الآخر يضعها في مكان حميم داخل البيت كي يتاح له تناولها في اي وقت.
وبالرغم من ان الجهات الرسمية تصر على منع التدخين باعتباره من الآفات التي تدمر الصحة وتسعى لمنعه في الآماكن الرسمية والعامة ، الا اننا نجد ان النارجيلة التي قدر الاطباء ان كل نفس نارجيله هو عبارة عن خمس علب من السجائر نجد ان التسهيلات المتاحة للنارجيلة وامكنتها تحتاج منّا الى التأمل في هذا التناقض.
ان ظاهرة تفشي النارجيلة على هذا النحو في مجتمعنا الشبابي حد الادمان الكامل لا بد ان يجعلنا نفكر قليلاً في سُبل الوقاية للحفاظ على رئة جيل كامل من السرطنة الجماعية والدمار الصحي.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور