مع فارق في المعطيات والتشبيه يمكننا أحيانا استعارة بعض المصطلحات الفنية من الحياة لتطبيقها واستعمالها في الحياة السياسية, فبعد ما كانت خلال الأسابيع الأخيرة تبدو ساحتنا السياسية بحاجة الى ما يسمى في عالم الميكانيك والصيانة بـ"الشدشدة", فعندما يتم إصلاح أي ماكينة صغيرة أو معقدة, وبعد الفك والإصلاح يكون التركيب الذي يعني نهاية الإصلاح لكنها نهاية نظرية إذا لم نقم "بشدشدة" الآلة وتركيب كل قطعة في مكانها ثم "شدّ" كل القطع والمفاصل, وإذا لم نفعل هذا نفسد ما أصلحناه بل قد تفتح علينا هذه العملية أشكال خلل جديدة, و"الشدشدة" سياسيا تعني إجراءات ليست شكلية بل خطوات وقرارات وأجواء, وحتى لا يذهب الخيال بالبعض فما نتحدث عنه ليس أشخاصا أو تغيير مواقع بل انخفاض منسوب أي نزاع أو تنازع شخصي, فالفرق كبير بين إدارة الدول ومصالح العباد وبين خلاف بين شخصين ينتهي بتقبيل الرؤوس واللحى وما في القلب في القلب.
ما أقوله ليس إلا دعوة لنذهب في المسار الإيجابي حتى نهايته, ولا نتحدث عن قناعات فمن حق المواطن والمسؤول امتلاك قناعة في أي أمر لكن المشكلة في أي مسؤول يتخلى عن قناعاته ليس لأن مستجدات جاءت صنعت له قناعات جديدة بل لأن المرحلة تقتضي "المسايرة" إما لتقليل الخسائر أو لتحقيق مكاسب, فالمشكلة في أي كيان سياسي أو حتى مجموعة صغيرة ليست في وجود قناعات أو رؤى متباينة بل في عملية إدارة الخلاف, ولهذا فإن كثيرا مما يجري في ساحاتنا السياسية لا يكون في جوهره خلافا فكريا أو منهجيا بل خلاف شخصي أو على السلطات, فالأمر ليس رفضا لمسار بل رغبة في أن يكون طرف هو قائد المسار وليس جزءا من أدوات التنفيذ.
في ظل الظرف الاقتصادي الصعب وأولوياته التخفيف من آثار التداعيات العالمية فإن الدولة تحتاج الى مؤسسات صناعة قرار واتخاذه في كل المواقع المفصلية لا تكون منسجمة فقط بل متوحدة على أجندة واحدة, فليس هناك أي وقت يمكن هدره في أي مسار خارج التحدي الكبير وهو مصلحة الدولة والناس وليس هناك وقت للتظاهر بالانسجام لأن الانسجام الحقيقي لا يكفي وحده فكيف بالتظاهر به.
ما أتحدث عنه ليس إحياء لمرحلة ماضية بل سعي "للشدشدة" السياسية وسد كل الثغرات التي قد تجعل ما تم مؤخرا أمرا جزئيا وليس حلا جذريا, فالمطلوب ليس تمرير مراحل بل صياغة مرحلة إيجابية أول سماتها غياب التحفز السلبي, فليس المهم ما يقال أمام صاحب القرار بل ما يتم فعله والتفكير به.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة