أعلنت الإدارة الاميركية انها غيرت استراتيجيتها تجاه ايران, وبدا واضحا انها توجهت نحو سياسة الاحتواء والتفاوض المباشر ولهذا شاركت في الاجتماع الذي تم يوم السبت بين الاوروبيين وايران, وتحدثت اوساط سياسية واعلامية ان مساعد وزير الخارجية الاميركي وليام بيرنز الذي شارك في الاجتماع كان وراء اقناع وزيرة الخارجية رايس بتغيير المسار, لكن هذا السيناريو الذي تحدثت به بعض الاوساط يحمل شيئا من البساطة لكن الثابت ان هذا التحول لم يبدأ اليوم بل له مقدمات تعاملت مع معطيات اقليمية مختلفة منها التحول في العلاقة مع سورية والذي تنفذه فرنسا التي يقودها ساركوزي المقرب جدا من ادارة بوش, وهناك اعادة صياغة الملف اللبناني ابتداء من توقيع اتفاق الدوحة ثم تنفيذه فضلا عما يتم الحديث عنه حول مزارع شبعا المحتلة.
وجلوس ايران واميركا على طاولة واحدة ليس مفاجئا او جديدا, فاللقاءات العلنية حول العراق كانت تتم في بغداد, وايران نظام سياسي براغماتي يبحث عن مصالحه التي تقاطعت مع مصالح اميركا واسرائيل ودول اخرى في العدوان على العراق العربي وتدمير دولته, وايران كانت اكثر دولة تم التنسيق معها قبل احتلال العراق لانها اهم دولة من جيران العراق, وكان الانسجام كبيرا ووقف اتباع طهران من القوى السياسية العراقية الى جانب قوات الاحتلال.
الشاهد ان التنسيق والتفاوض ليس غريبا بل حالة مستمرة, والمشكلة التي تفهمها اميركا ان ايران تريد ان تحصل على مكاسب اقليمية ونفوذ يتناسب مع تقديرها لنفسها, ولا مانع لديها عند حصولها على النفوذ من التفاهم مع اميركا على اقتسام المنطقة وتحديد مسارها وهذا المشروع النووي العسكري الايراني ليس قضية مصيرية عند ايران, وهو مشروع قد لا يكون موجودا لكنه ورقة هامة في معادلة التفاوض على النفوذ والمكاسب, لان هذا المشروع ليس ضروريا في المنطقة حتى لإيران التي تدرك كم هي خسائر الحرب وآثارها بعد تجربتها الطويلة في الحرب مع العراق.
والغريب ان هذا الانفراج الاميركي الايراني جاء بعد حالة توتر قد تكون اعلامية عندما صدر تهديد اسرائيلي بضرب ايران ثم خرجت صور الصواريخ الايرانية على شاشات التلفزيون والتهديدات بقطع ايدي المعتدين واغلاق مضيق هرمز فهل كانت تلك الصور ابتداء من التهديد الاسرائيلي وحتى التهديد الايراني اشبه بخدع السينما التي تجعل المشاهد يعتقد انها حرب بينما هي ألعاب كمبيوتر؟!, وربما كانت التهديدات كشفت لكل طرف حقيقة ما لدى الآخر, ومنها ما أعلنه مسؤولون روس من ان تجارب اطلاق الصواريخ قديمة واظهرت ضعف القدرات الايرانية؟!
ايران لديها قدرة كبيرة على التفاهم واميركا معنية بمصالحها التي قد تكون في اقتسام النفوذ مع ايران وبخاصة ان الضحية منطقة عربية تحولت دولها الكبرى الى قوى غير مؤثرة, وكما قالت رايس قبل ايام ان اميركا ليس لها اعداء دائمون, ونكمل ما قالته بأنه ليس لها اصدقاء دائمون بل مصالح دائمة, واميركا التي تخلت عن اعز حلفائها شاه ايران لن تذرف الدموع على علاقات من هو اقل من الشاه, والتفاهم مع ايران سيفتح امام اميركا فرصة حل العديد من العقد السياسية في دمشق وبيروت وفلسطين وآسيا والعراق, فماذا لدى اصدقائها الحاليين من اوراق, فأميركا ليست معنية بما يسمى الاعتدال لانها ليست معتدلة, والمعتدل هو من يضمن لها مصالحها حتى وان كان يملك خطابا غير ودي.
وفي منطقتنا وإقليمنا ليس هناك معتدلون ومتشددون بل كل طرف يبحث عن مصالحه بطريقته التي قد تكون أكثر وضوحا في التواصل مع اميركا او خطابا ثوريا وتمنعا, ولهذا فسورية التي كان البعض يصفها بقائد معسكر الممانعة رأت مصالحها القادمة في التفاوض مع اسرائيل, و(الاعتدال) في علاقاتها الاوروبية, ولهذا تغير الخطوط الساخنة حسب مصالحها لكن المشكلة كيف يمكن لكل طرف أن يمتلك اكثر من طريقة لحفظ مصالحه.
الأهم ان اميركا تعمل منذ فترة على التعاون مع الدول الاوروبية على تفكيك ما يسمى معسكر الممانعة ليس عبر المواجهة بل فتح أبواب الحوار والتفاهمات والمفاوضات, والاحتواء وتشكيل حالة سياسية اقليمية جديدة, وحتى المناطق التي ما يزال عليها فيتو مثل غزة فربما يتم فتح الأبواب معها بعد حين.
المراجع
alghad.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة