الحوادث القليلة التي شهدها الأردن على امتداد فترة طويلة، من اطلاق رصاص او طعن بسكين تمت في بعض مناطق عمان بحق سياح عرب او اجانب، لا يمكن اعتبارها ظاهرة او مسارا يهدد الأمن، لكنها في الوقت نفسه تعبير عن منهجية تفكير وعمل لدى بعض المجموعات، حتى وإن كانت مجموعات محدودة او قليلة التأثير.
مثل هذه الحوادث تحمل جانبا خطيرا، تجعلنا جميعا ملزمين بمكافحتها لاعتبارين هامين: الأول هو الحرص على حالة الأمن والاستقرار التي هي احدى كنوز ومقدرات الأردن، والثاني هو المصلحة الشخصية المباشرة لكل أردني؛ فالمسدس او السكين الذي قد تكون في يد شاب من المؤمنين بهذا النهج، يمكن ان يصيب اي واحد من سكان الأردن، وأي شخص قد يكون متواجدا في المكان الذي يشعر فيه هذا الشاب ان عليه اطلاق النار، او اخراج السكين الذي يحمله، معتقداً أن اراقة الدم في تلك اللحظة تخدم الاسلام وترفع راية الحق والعدل، حتى وإن كان الضحايا عربا ومسلمين او اجانب مسالمين يتحركون في الشوارع للسياحة، ذلك أن من يمارس سلوكا كهذا، إنما يتحرك بنصف فكر، ورؤية غير مكتملة، ولذلك فهو لا يهتم بهوية الضحية، وهكذا يُصاب ويموت من لا يشملهم اي فكر مهما كان متطرفا، ويسقط العرب والمسلمون والمسالمون من السياح الاجانب.
وأحيانا يكون الهدف اشاعة حالة من عدم الاستقرار، وإرسال رسالة مفادها أن الأردني ليس آمنا، بصرف النظر عن اي ثمن، بما فيه اهدار دماء ابرياء، وهذا الامر كان واضحا في كل هذه الاعمال، ففي اطلاق النار الأخير في الساحة الهاشمية كان المصابون من فلسطين والأردن ولبنان، وحتى في الحدث الارهابي الكبير في تفجيرات عمان، كان الضحايا عربا ومسلمين وأردنيين، ومعهم بعض الابرياء من جنسيات اخرى. إن من يقوم بهذا يعطي نفسه الحق في اهدار اي دم وقتل اي شخص في ساحة العملية، ويبرر ذلك من خلال فكر غير سوي حتى لقتل نفسه.
ما نقوله اليوم ليس مرتبطا بحادثة الساحة الهاشمية، وان كانت هذه الحادثة تدفعنا لإيجاد حالة فكرية وسياسية واعلامية تكون درعا واقية من هذا الفكر ومنهجية العمل، انطلاقا من روح وطنية للحفاظ على كنز الاستقرار والأمن، وحرصا على امننا الشخصي وحياة اطفالنا واصدقائنا واقاربنا.
الجهات التي تمارس هذا الفعل لا تسعى لأن تكون تنظيمات جماهيرية، بل تعمل عبر خلايا ومجموعات صغيرة، وهنا يكون دور الاجهزة الامنية، لكنه أيضاً دورنا في متابعة الابناء والاشقاء والاصدقاء، لأن هذه الطريقة في التفكير، القائمة على القتل وإراقة الدم، بما فيه هدر الحياة الشخصية، هي اخطر على الشاب والمجتمع حتى من امراض الانحراف الكبرى، لان الداء يكون في الفكر، والنظرة للمجتمع والدولة والذات. كذلك هنالك مشكلة تعريف الحق والباطل، وكيفية الدفاع عن الاول ومحاربة الثاني.
اذا عدنا للحادثة الاخيرة، فقد اصدرت عشيرة الشاب الذي نفذ الهجوم بيانا على شكل اعلان، رفضت فيه الحادثة وأدانتها، وهذا موقف اجتماعي ايجابي، هدفه البراءة من الفعل وعزله كفعل فردي، بخاصة عندما تبين ان وراء الامر فكر وتوجهات سياسية، لكن الجانب الآخر للحادث يقول اننا خسرنا شابا لم يتجاوز عمره (18) عاما، خسرناه عندما حمل فكرا يؤمن بالقتل باعتباره وسيلة لنصرة الاسلام، وهو قتل ليس موجهاً لدولة اجنبية تحتل ارضا عربية، بل لأبرياء من عرب ومسلمين ومسالمين، كما خسرناه عندما مات نتيجة هذا الفعل.
اخطر ما في الفكر المتشدد او المؤمن بالتكفير، منذ ان ظهر في السجون المصرية في ستينيات القرن العشرين، انه اوجد قناعة دينية وفكرية لدى هذه الفئة، مفادها ان ساحة عملها هو مجتمعها بكل تفاصيله، ولكن ليس عبر الاصلاح والدعوة، بل عبر اقامة حاجز عقائدي مع المجتمع، عبر تصنيفه كافراً، ثم اسقاط الحرمة عن الدماء والاموال وحق هذا المجتمع بالحياة، ومع كل التطورات على هذا الفكر عبر اربعين عاماً، فإن العامل المشترك بين كل حامليه هو اعطاؤهم أنفسهم حق استباحة دماء الجميع، إما باعتبارهم كفارا او باعتبارهم مسلمين لكن قتلهم مبرر وحسابهم على الله.
نحن في الأردن نحتاج محاصرة هذه الحوادث، وعلاجها بكل حكمة عبر المجتمع والإعلام والسياسة والأمن، فالأمور ما تزال في اطار يمكن علاجه.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة