قراءة التخوفات والحسابات المصرية مما يجري وجرى في غزة لا تتم بشكل كامل عبر الاحداث والتغيرات الاخيرة في خارطة السلطة الفلسطينية.
فغزة حتى عندما كانت محسوبة على مصر قبل احتلالها لم تكن في الوجدان السياسي الرسمي ولا الشعبي المصري جزءا او حتى تربطهما علاقة عضوية حقيقية. وفي الوقت الذي كانت الضفة الغربية جزءا سياسيا من الاردن بعد وحدة الضفتين، التي لم يعترف بها العالم، لم تدخل غزة في علاقة مشابهة مع مصر. وكان التداخل اليومي بحكم الجغرافيا وتواجد قوات مصرية هناك, لكن غزة بقيت في العقل المصري وضعا فلسطينيا حتى وان كان لا يتبع لأحد -وكان اقصى حدود العلاقة ان تكون غزة منطقة نفوذ مصرية- لكنها ليست قضية مصرية. فمصر لم تكن راغبة في حمل العبء السياسي والامني لمنطقة تعلم مستقبلها ولا تريد ان تحولها الى قضية مصرية داخلية.
هذا لم يمنع وجود علاقة خاصة, فحتى اهل غزة من فتح ومنظمة التحرير وعلى رأسهم ياسر عرفات قد كانوا اصحاب هوى مصري، وليس بالضرورة ان يكون هوى عاطفيا، بل سياسي، وبخاصة ان مصر هي الكبرى، وكانت فتح وحتى المنظمة جزءا من ادوات الحكم الناصري حتى عام 1970, وحتى عندما خرج عرفات من بيروت عام 1982 بعد الاجتياح الصهيوني، فقد كانت اول محطة في الطريق هي مصر رغم وجود المقاطعة العربية لمصر آنذاك.
مصر لا تريد حمل ملف غزة، وهي تعلم ان الاحتلال الصهيوني كان وما يزال يتمنى ان تحكم مصر غزة ويحكم الاردن الضفة. وازداد الموقف المصري حسما بعدما اصبحت غزة معقلا للاخوان المسلمين. فحماس هي الاسم الفلسطيني او الحركي للاخوان, وحكاية مصر مع الاخوان قديمة ومستمرة، بل هي قضية يومية، لهذا لا تريد ان تقترب عضويا من غزة حتى ولو عبر حركة معابر مفتوحة وتواصل يومي بلا توافق مع قوى دولية او فلسطينية غير حماس.
جزء من تفسير الموقف المصري من غزة هو الهاجس الامني الداخلي، ولهذا فالحكومة المصرية تعلم اليوم انها تواجه نقدا لموقفها الرافض فتح المعابر، لكنها تقبل هذا على مضض حتى لا تدفع ثمنا آخر تعتقد انه اكبر في ساحتها الداخلية، ولأنها تدرك ان غزة ارض وسكان بلا دولة او سلطة حقيقية، والتداخل العضوي سيجعل مصر هي المرجع الاقتصادي والامني او المظلة لغزة حتى لو بقيت السلطة الفلسطينية, فحتى العالم سيتجه الى مصر لحل المشكلات، اما لانه لا يثق بقوة سلطة غزة او لا يتعامل معها او لقناعته ان مصر دولة قوية قادرة على الحل.
منذ ان جاءت السلطة بعد اوسلو وحتى قبل انسحاب الاحتلال كان جزءا من المنهجية المصرية ان تكون الاستراتيجية الامنية هي التي تقترب الى كل التفاصيل الفلسطينية عبر شبكة علاقات قوية مع كل الفصائل ونفوذ داخل السلطة واجهزتها الامنية. واصبحت المخابرات المصرية هي المرجع للجميع وتحديدا في غزة. ومارس الأمن المصري عمليات وساطة وتفاوض فلسطيني فلسطيني وفلسطيني اسرائيلي، وكان تدخلا وقائيا، وربما تتمنى مصر ان تكون بعيدة والا تكون مضطرة للتدخل او معرفة كل التفاصيل، لكنها مجبرة لأن غزة اصبحت قضية داخلية.
اسرائيل، التي كان قادتها يتمنون ان يبتلع البحر غزة، تركوها عجزا، لكنهم رموها نحو الحصار، ورموها امنيا على ظهر مصر لأن بديل الاحتلال لم يكن دولة حقيقية او معترفا بها في غزة. وازداد الامر سوءا بعد الانقسام الجغرافي والسياسي بين غزة والضفة وهو انقسام ليس مرشحا للحل، بل للتجذر، ولهذا فمشكلة مصر مع غزة ستبقى قائمة سواء حكمتها حماس او كانت فتح.
فاسرائيل معنية بأن تجعل من غزة مشكلة مصرية، وان تجعل من مصر الطرف المسؤول عن الحصار، فهي بهذا تؤذي الطرفين وتصنع مواقف سلبية، بخاصة انها تعلم ان مشكلة غزة معقدة، والعالم لم يعد يحاسب اسرائيل التي انسحبت من غزة، ولم يبق الا المعابر التي تربطها اسرائيل بأمنها والتفاوض مع حماس.
يبدو ان غزة قدر مصر، والعكس صحيح. لكن الاحتلال يصنع احداثا يسعى من خلالها ان تكون العلاقات بين مناطق فلسطين وما حولها ليست خيارات عربية، بل حلول لمشكلاته. فالفدرالية اوالكونفدرالية بين الاردن والضفة تريدها اسرائيل حلولا لمشكلاتها، حتى وان كانت على حساب الهوية الاردنية والفلسطينية، وتريد لغزة ومصر ان يدخلا في علاقة اضطرارية تحل مشكلة اسرائيل مع غزة حتى وان كانت على حساب مصر واهل غزة.
مصر تبحث عن حلول لا تكون هي العنوان الوحيد لقضية غزة سياسيا وامنيا واقتصاديا. ولعل فكرة القوات العربية التي اقترحتها مصر لدخول غزة جزء من هذا التفكير، فهي ليست لفض الاشتباكات بين فتح وحماس، بل لفك الاشتباك بين مصر وغزة عبر القناة العربية، بعدما فشلت فكرة التدخل الدولي.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية