في اوساط الناس في دولة عربية شقيقة حكاية ما تزال فصولها جارية تتحدث عن مسؤول رفيع تم اكتشاف تورطه وآخرين في قضايا فساد واستغلال للوظيفة لمصالح ومنافع شخصية، فقام صاحب الامر ورأس الدولة هناك بعزله من موقعه وفتح تحقيق.
إلى هنا تبدو الحكاية عادية، فالامر يحدث في مواقع عديدة، لكن الملفت الإجراء الآخر حيث قامت الحكومة بهدم مبان استثمارية للمسؤول لأنها كانت من نتائج استغلاله لموقعه. وتسمع هناك من يتحدث عن الجرافات التي تهدم المباني كجزء من العقاب على مخالفة القانون.
طبعا هذه القضية لا تعني ان الفساد توقف عند الاشقاء، لكن اجراءً من هذا النوع جديدا وملفتا يحمل نوعا من العقاب القاسي والعبرة لمن يقع تحت طائلة القانون.
حين تسمع مثل هذه الحكاية، تتخيل كم من الجرافات وآليات الهدم التي نحتاجها في العالم العربي، لو تم تعميم المثال، وربما يصبح العمل في مجال الهدم قطاعا استثماريا مهما ومربحا. لكننا نخشى ان يستغل بعض الكبار في امتنا هذا النشاط ليكون قطاع الهدم مخترقا من الفساد وتتم احالة عطاءات الهدم على شركات من يدفعون العمولات او على شركات الاصدقاء والاقارب.
تخيل لو أصبحت عقوبة الهدم وازالة مكتسبات الفساد جزءا من عقوبة الفاسدين، فكم هي البيوت والفلل والمصانع والشركات والعمارات السكنية والسيارات والمزارع وغيرها من مكتسبات الفساد التي سيتم هدمها او ردمها وازالتها، وربما يكون هذا صالحا لفلم عربي من فئة الخيال العلمي، لكن ليس على الطريقة الغربية، التي يكون فيها الخيال لاكتشاف الفضاء او دخول عوالم جديدة، ولكن للعلم الذي له انتشار في عالمنا العربي.
وإذا تخيلنا مثلا قرارات تمحو كل ما ترتب على فساد او استغلال نفوذ، فكم هي المشاريع والعطاءات والشركات والقرارات التي ستزول، لو كانت معاقبة الفاسدين تتم عبر ازالة مكتسباتهم، وكم هم الذين عليهم مغادرة مواقعهم لأنهم جاءوا من استغلال نفوذ او لأنهم جزء من التفكير السطحي والأسس الرديئة التي تعطي لمن لا يستحق مواقع وألقاب وتحرم من يستحقون.
ربما لو اصبح نهج ازالة "آثار الفساد" جزءا من مسار بلادنا من المحيط الى الخليج لتغير الوجه الحالي على العديد من الصعد، لكن ربما نتحدث عن حادثة واحدة لا تتكرر حتى في بلد المنشأ. ونتحدث عن خيال في الكتابة وامنيات نعلم انها لا تتحقق. فماهو سائد ان النفوذ يحمي فساد اصحابه ويعطي للفساد حصانة. وحتى لو كان هناك قرار بالمعاقبة فيرحل الشخص بكل ما فعل وكسب، واحيانا يرحل الى مكان آخر لذر الرماد في العيون ولتستمر مسيرته المباركة.
وما يؤسف احيانا، كدلالة على حالة اليأس والإحباط، أنّ المواطن العربي اصبح يبحث عما يحقق له شيئا من راحة الضمير، ومن هذا ما سمعته من مواطن عربي يقول ان الفساد في احدى البلدان ليس خطيرا، والسبب انه مثلا لو تم تخصيص موازنة لمشروع مدارس او طرق فإن طريقة التنفيذ تكون سليمة، لكن الفساد يكون في حجم الكلفة المالية، اي اننا امام "فاسدين اصحاب ضمير"، يكتفون بسرقة الأموال، أما مواصفات المشاريع فإنّ ضميرهم يكون حاضرا فيها وسليما!
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة