لعل الزرقاء المدينة الواسعة، وبصورة أكبر المحافظة، تحتاج من الدولة بما فيها الحكومة الى وقفة طويلة جدا وعميقة وتعامل يتجاوز التجاوب العادي، واحيانا السياسي الذي يتحرك لهدف محدد، لكنه في أحيان كثيرة يترك آثارا سلبية على المدينة والمحافظة.
لا أتحدث بشكل أساسي عن الخدمات والمشاريع، رغم أهمية هذا الموضوع، بل عن النهج الذي تدار فيه المدينة والمحافظة. وأعتقد أن ما تحتاجه الزرقاء اليوم ليس فقط الخدمات، رغم أنّها تحتاج إلى كثير من الخدمات، بل ثمة ضرورة اولاً إلى تعاطٍ من الدولة يتناسب مع حجم المشكلات، ومن ذلك مراجعة خطوات سياسية تمّت في المدينة تعلقت بأسس اختيار إداراتها. وهي مراجعة إن لم تكن ممكنة فيما يتعلق بالأهداف فماسّة وحيوية فيما يرتبط بالأدوات وطواقم إدارة المحافظة على أكثر من صعيد.
ورغم أن الحديث هنا بلا تفاصيل، كما يلمس القارئ، إلاّ أن جزءاً مهماً من الرسالة سيلتقطه أصحاب القرار، الذين يعلمون جيدا مواطن الخلل، وما ينقصهم هو الذهاب خطوات ملموسة وجادّة لإصلاحه.
ليس المقصود، هنا، اتخاذ قرارات تتعلق بأشخاص، بل بالنهج العام الذي يتم من خلاله إدارة القرار، وبموقع المدينة والمحافظة وفي مقدمة ذلك تحديد الجهة التي تملك الصلاحية في رسم خارطة المدينة التنموية، وهياكل إداراتها، وحتى من يمثلها في كل المواقع في داخل المحافظة وخارجها.
الزرقاء مدينة ذات طابع سياسي، ولها خصوصية على أكثر من صعيد، لكن ما يؤسف احيانا ان "العقلية" التي تبحث عن حلول لإدارة المدينة تفكر باتجاه واحد، حتى لو كان ثمنه كبيرا على المدينة والناس، وحتى على الدولة. وهذه ليست أزمة جديدة، فهناك عبر العديد من المراحل امتازت بالعقلية والطريقة ذاتها في إدارة المكان والناس والعوامل السياسية والتنموية فيها. فالتفكير الرسمي حول الزرقاء هو على نظام القطعة بامتياز، وليس لإيجاد الحلول الاستراتيجية بعيدة الأمد.
الملك زار الزرقاء في الربيع الماضي، وقدّم دعما ماليا مقداره عدة ملايين لتنفيذ مشاريع يجري تنفيذها الآن. وهناك مشروع مستشفى حكومي جديد تحت التنفيذ. لكن مشكلة الزرقاء أنها مدينة كبيرة تتوسع سكانيا وجغرافيا، في المقابل فإنّ العقلية التي تديرها على أكثر من صعيد تحتاج الى مراجعة جذرية، لأن المشكلات تزداد والحلول بسيطة أو جزئية.
المطلوب "حلّ جذري" يتمثل بإعادة بناء المؤسسات التي تدير شؤونها، وربما تكون الزرقاء أول مدينة ومحافظة تحتاج الى فكرة الأقاليم، أو شكل جديد للحكم المحلي فيها، يشمل نوعية الحكم الإداري والاشخاص ومميزاتهم والحكم التنموي، بخاصة مؤسسة البلدية التي تعاني من مشكلات تحولت معها المؤسسة نفسها الى مشكلة بحد ذاتها، وليست مؤسسة للحل وإنقاذ المدينة، إضافة الى المحددات السياسية التي تدار بها المدينة والمحافظة، والتي تكون أحياناً مدخلاً لمشكلات جديدة وصناعة وقائع تنعكس على مستوى المدينة في كل شيء.
الزرقاء لا تحتاج فقط إلى زيارة من الحكومة لمعالجة بعض المشكلات، بل تحتاج الى قرارات جريئة من الحكومة، بعيدا عن الحسابات الخاصة بمراحل سابقة، لأن ثمن استمرار الوضع الحالي سيؤول إلى أن الدولة ستواجه، بعد سنين، مشكلات بنيوية مستعصية، ليس فقط على مستوى خدماتي بل وفي عمق المجالات الاجتماعية والثقافية!

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة