ما من شيء الا وله لثغته الخاصة في النطق ، ومهمة التعبير عن طلسمة وجوده ، وكل ما يحتاجه الواحد منّا هو ان يتدرب على فن الاصغاء العميق لهذه الاصوات التي تطلقها الطبيعة من حولنا.
ان جدنا الكهفي الاول الذي كان يلاحق الثمار ويتبع حركة الريح عبر القارات ، كانت لاذنه مهارات خاصة في الاصغاء.
فقد كان جدنا الاول يعي سر الوقفة الشامخة لجبل ، بتلك السفوح المتدرجة التي يتبدأ من قاعه الصخري والترابي وانتهاء بقمته. كان جدنا يصغي لاشتباك الطرقات وتعرجاتها الذاهبة نحو القمة ، مثلما كان يعي سر ضجة الريح التي كانت تعانق شموخه.
وجدنا الكهفي الاول كان وقبل ان تتسخ اذنه بالاصوات النشزة التي فرختها حضارتنا القائمة ، كان يصغي طويلاً لاصوات الحيوانات وهي تصيح في عتمة الكوكب الاولى ، ويتفكر في اللغات التي كانت تطلقها الحيوانات الجارحة ، ويحاول حينما يأخذه الاصغاء الى العميق العميق ان يفك شيفرة لغة الطيور وهي تحلق مزغردة فوق رأسه.
ودربة الاصغاء كانت تأخذه الى ان يضع اذنه على الارض كي يسمع ذاك الخرير المائي العميق ، الذي كان يتستر عليه باطن الارض وآبارها العميقة ، وكان الخرير المائي يستنهض فيه رغبة العطش والارتواء.
جدنا ادرك في وقت مبكر وبحكم اصغائه العميق للصوت المصمّت في الارض ، ان الحياة تكمن في الماء ، ولهذا قاده الاصغاء لصوت الماء كي يقيم حضارته ومدنيته بجوار البحار والأنهر.
ان الحضارات الانسانية الاولى قامت اساساً على فن الاصغاء ودربة التفكر في الاصوات التي تطلقها الطبيعة بكل كائناتها حول الانسان.
ان الحضارة التي نعيشها استطاعت ان تغرق حياتنا بالعواءات التكنولوجية التي جعلت صيوان اذننا يتسخ بهذه الاصوات المقترحة. ان من يقع في فخ المدينة الحديثة ويحاول ان يصغي قليلاً للضجة الهمجية التي تطلقها حضارتنا سوف يدرك حجم الخسارات التي نهبت براءتنا الاولى في فن الاصغاء والاستماع.
وان حضارة كاملة نعيشها قائمة على الثرثرة ، بينما حضارة الهمس الساحرة التي كانت تصبها الطبيعة في اسماعنا قد اندحرت وتراجعت لصالح هذه الضجة المجنونة التي تسمى تعسفاً بالحياة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور