البعض منّا لا يعرف الشيء الذي يريده من الحياة ، ولذلك فهو لا يعرف بالضبط اين تكمن قواه الخلاقة الرابضة داخل روحه بانتظار تحرشه المبدع بها. ويكون عليه وبناء على ملاحظات خاصة ومتراكمة ان يدرك ماالذي كان من الممكن ان يسلكه كي تتفجر فيه طاقاته الابداعية ، وعلى الاغلب يحدث هذا الاستدراك في أواخر العمر ، أو في اللحظة التي فاته فيها قطار العمر.
عربياً يمكن الجزم اننا وخلال الاربعة قرون الفائنة والتي كانت في اغلبها ترتع بالشفاهية المستحكمة في نطقنا العام ، قد خسرنا العديد من المواهب التي كانت تخجل من الاعلان عن نفسها بسبب طغيان حضور التخلف ، ولجمه لاي انطلاقة ابداعية جامحة عند الفرد.
وقبل ايام كنت اقرأ السيرة الذاتية للكاتب الالماني المبدع "هيرمان هسه" ، وقد اندهشت من العناية المبكرة لوالديه ، وهما يوجهانه ليتعلم في وقت مبكر من دراسته تعلم بعض اللغات المنقرضة ، وقد كان له هذا ، وهو العاشق لشخصية جده الذي كان يجيد العديد من اللغات الحية والمنقرضة ايضاً.
وما ينطبق على هيرمان هسه ينطبق ايضاً على كافة الرموز الابداعية الخلاقة في اوروبا ، وذلك في كل المجالات التي استطاعت ان تؤسس لحضارة بهذا المستوى من القوة والشموخ. وليس من باب الصدفة او من باب العفوية ان تكون الحضارة الغربية قادرة على تخليق هذا الكم الهائل من العلماء في التكنولوجيا والفيزياء والكتابة والرسم والموسيقى.
ان من يعيد النظر في القرون الاربعة التي اوصلتنا الى مثل هذا المستوى من تدني الابداع في كافة العلوم المعرفية سيدرك اننا وفي زحمة استغراقنا الغبي في الشفاهية ، وتجلياتها الاجتماعية المدمرة والحمقاء ، قد خسرنا العديد من العلماء والكتاب والفنانيين والمخترعين. واننا استطعنا لجم كل قوانا الابداعية الخلاقة.
ومن يعيد النظر في الشخصية المُنتجة عربياً سيكتشف حجم الخسارات التي بدأنا تسديدها في المجالات التكنولوجية والعلمية والفلسفية والمعرفية عموماً.
ولعل اهم ما خسرناه هو حرية الفرد في اختيار النهج الحياتي الذي يريد ، ذاك النهج الذي استدلت عليه بوصلته الروحية ، كي يقوم بتثوير داخله وتفجير قواه الخلاقة.
ولهذا علينا ألاّ نندهش من هذه الشخصية العربية السائدة والتي تحمل كل هذه الفسيفساء المتناقضة التي تدعونا في اغلب الاحوال الى الدهشة. بسبب الحول التاريخي للمواهب.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور